المقاطعة العامة
 

 

   المقاطعة العامة

   ميثاق الظلم والعدوان

   ثلاثة أعوام في شعب أبي طالب

   نقض صحيفة الميثاق

   آخر وفد قريش إلى أبي طالب

 

 

 

المقاطعة العامة - آخر وفد قريش إلى أبي طالب

   خرج رسول الله من الشعب وجعل يعمل على شاكلته ، وقريش وإن كانوا قد تركوا القطيعة ، لكنهم لم يزالوا عاملين على شاكلتهم من الضغط على المسلمين والصد عن سبيل الله ، أما أبو طالب فهو لم يزل يحوط ابن أخيه  لكنه ، كان قد جاوز الثمانين من سنه ، وكانت الآلام والحوادث الضخمة المتوالية منذ سنوات _ لا سيما حصار الشعب _ قد وهنت وضعفت مفاصله ، وكسرت صلبه ، فلم يمض على خروجه من الشعب إلا أشهر معدودات ، وإذا هو يلاحقه المرض ويلح به _ وحينئذ خاف المشركون سوء سمعتهم في العرب إن أتوا بعد وفاته بمنكر على ابن أخيه ، فحاولوا مرة أخرى أن يفاوضوا النبي بين يديه ويعطوا بعض ما لم يرضوا إعطاءه قبل ذلك فقاموا بوقادة هي آخر وفادتهم إلى أبي طالب .

   قال ابن إسحاق وغيره : لما اشتكى أبو طالب وبلغ قريشاً ثقله ، قالت قريش بعضها لبعض : إن حمزة وعمر قد أسلما ، وقد فشا أمر محمد في قبائل قريش كلها ، فانطلقوا بنا إلى أبي طالب ، فليأخذ على ابن أخيه وليعطه منا ، والله ما نأمن أن يبتزونا أمرنا  وفي لــفظ : فإنا نخاف أن يموت هذا الشيخ فيكون إليه شئ فتعيرنا به العرب يقولون تركوه حتى إذا مات عمه تناولوه.

   مشوا إلى  أبي طالب فكلموه وهم أشراف قومه ، عتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة وأبو جهل بن هشام ، وأمية بن خلف ، وأبو سفيان بن حرب ، في رجال من أشرافهم _ وهم خمس وعشرون تقريباً _ فقالوا يا أبا طالب إنك منا حيث قد علمت ، وقد حضرك مانرى ، وتخوفنا عليك ، وقد علمت الذي بيننا وبين ابن أخيك فادعه ، فخذ له منا وخذ لنا منه ، ليكف عنا ونكف عنه ، وليدعنا وديننا ، وندعه ودينه فبعث إليه أبو طالب ، فجاءه ، فقال يا ابن أخي ، هؤلاء أشراف قومك ، قد اجتمعوا لك ، ليعطوك ، وليأخذوا منك ، ثم أخبره بالذي قالوا له وعرضوا عليه ، من عدم تعرض كل فريق للآخر . فقال لهم رسول الله : أرأيتم إن أعطيتكم كلمة تكلمتم بها ، ملكتم بها العرب ، ودانت لكم بها العجم ، وفي لفظ أنه قال مخاطباً لأبي طالب : أريدهم على كلمة واحدة يقولونها ، تدين لهم بها العرب ، وتؤدي إليهم بها العجم الجزية ، وفي لفظ آخر قال يا عم : أفلا تدعوهم إلى ما هو خير لهم ؟ قال : وإلى ما تدعوهم ؟ قال : أدعوهم إلى أن يتكلموا بكلمة تدين لهم بها العرب ، ويملكون بها العجم ، ولفظ رواية ابن إسحاق : كلمة واحدة تعطونها ، تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم ، فلما قال هذه المقالة توقفوا وتحيروا ، ولم يعرفوا كيف يرفضون هذه الكلمة الواحدة النافعة إلى هذه الغاية والحد ، ثم قال أبو جهل : ما هي ؟ وأبيك لنعطيكها وعشر أمثالها ، قال : تقولون : لا إله إلا الله ، وتخلعون ما تعبدون من دونه . فصفقوا بأيديهم ، ثم قالوا : أتريد يا محمد أن تجعل الآلهة إلهاً واحداً ؟ إن أمرك لعجب .

   ثم قال بعضهم لبعض : إنه والله ما هذا الرجل بمعطيكم شيئاً مما تريدون ، فانطلقوا وامضوا على دين آبائكم ، حتى يحكم الله بينكم وبينه . ثم تفرقوا.

   وفي هؤلاء نزل قوله تعالى ص (1) والقرآن ذي الذكر . بل الذين كفروا في عزة وشقاق (2) كم أهلكنا من قبلهم من قرن فنادوا ولات حين مناص (3) وعجبوا أن جاءهم منذر منهم ، وقال الكافرون هذا ساحر كذاب (4) أجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب (5) وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد (6)  ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق
 

جميع الحقوق محفوظة لكل مسلم®