|
المرحلة الثالثة
- المؤمنون من غير أهل مكة |
وكما عرض رسول الله
على القبائل والوفود
،
عرض على الأفراد والأشخاص ، وحصل من بعضهم على
ردود صالحة ، وآمن به عدة رجال بعد هذا الموسم بقليل . وهناك لوحة
منهم :
1 -
سويد بن صامت _ كان شاعراً
لبيباً من سكان يثرب ، يسميه قومه الكامل لجلده وشعره وشرفه ونسبه
، جاء مكة حاجاً أو معتمراً فدعاه رسول الله
إلى الإسلام ، فقال : لعل الذي معك مثل الذي معي . فقال رسول الله
: وما الذي معك . قال : حكمة لقمان . قال : اعرضها علي . فعرضها ،
فقال له رسول الله
: إن هذا الكلام حسن ، والذي معي أفضل من هذا ، قرآن أنزله الله
تعالى علي ، هو هدى ونور ، فتلا عليه رسول الله
القرآن ودعاه إلى الإسلام ، فأسلم ، وقال : إن هذا لقول حسن . فلما
قدم المدينة لم يلبث أن قتل يوم بعاث . وكان إسلامه في أوائل سنة
11 من النبوة .
2-
إياس بن معاذ _ كان
غلاماً حدثاً من سكان يثرب ، قدم في وفد من الأوس ، جاؤوا يلتمسون
الحلف من قريش على قومهم من الخزرج ، وذلك قبيل حرب بعاث في أوائل
سنة 11 من النبوة ، إذ كانت نيران العدواة متقدة في يثرب بين
القبيلتين _ وكان الأوس أقل عدداً من الخزرج _ فلما علم رسول الله
بمقدمهم جاءهم فجلس إليهم ، وقال لهم : هل لكم في خير مما جئتم له
؟ فقالوا : وما ذاك ؟ قال : أنا رسول الله ، بعثني إلى العباد ،
أدعوهم أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئاً ، وأنزل الكتاب ، ثم
ذكر لهم الإسلام ، وتلا عليهم القرآن ، فقال إياس بن معاذ : أي قوم
هذا والله خير مما جئتم له ، فأخذ أبو الحيسر أنس بن رافع _ رجل
كان في الوفد _ حفنة من تراب البطحاء فرمى بها وجه إياس ، وقال :
دعنا عنك ، فلعمري لقد جئنا لغير هذا ، فصمت إياس وقام رسول الله
وانصرفوا إلى المدينة من غير أن ينجحوا في عقد حلف مع قريش.
وبعد رجوعهم إلى يثرب لم يلبث
إياس أن هلك ، وكان يهلل ويكبر ويحمد ، ويسبح عند موته ، فلا يشكون
أنه مات مسلماً .
3- أبو
ذر الغفاري _ وكان من سكان نواحي يثرب ، ولما بلغ إلى يثرب خبر
مبعث النبي
بسويد بن صامت وإياس بن معاذ وقع في أذن أبي ذر أيضاً وصار سبباً
لإسلامه .
روى البخاري عن ابن عباس قال :
قال أبو ذر : كنت رجلاً من غفار ، فبلغنا أن رجلاً قد خرج بمكة
يزعم أنه نبي ، فقلت : لأخي انطلق إلى هذا الرجل وكلمه ، وآتني
بخبره ، فانطلق فلقيه ، ثم رجع ، فقلت : ما عندك ؟ فقال : والله
لقد رأيت رجلاً يأمر بالخير ، وينهى عن الشر ، فقلت له : لم تشفني
من الخبر ، فأخذت جراباً وعصاً ، ثم أقبلت إلى مكة ،فجعلت لا أعرفه
، وأكره أن أسأل عنه وأشرب من ماء زمزم وأكون في المسجد . قال :
فمر بي عليّ . فقال : كأن الرجل غريب ؟ قال : قلت : نعم . فقال :
فانطلق إلى المنزل ، فانطلقت معه ، لا يسألني عن شيء ولا اسأله
ولا أخبره . فلما أصبحت غدوت إلى المسجد ، لأسأل عنه ، وليس أحد
يخبرني عنه بشيء. قال : فمر بي علي فقال : أما زال للرجل يعرف
منزله بعد ؟ قال : قلت لا . قال : فانطلق معي ، قال : فقال : ما
أمــرك ؟ وما أقدمك هذه البلدة ؟ قال : قلت له : إن كتمت عليّ
أخبرتك ، قال : فإني أفعل ، قال : قلت له : بلغنا أنه قد خرج ههنا
رجل يزعم أنه نبي الله ، فأرسلت أخي يكلمه ، فرجع ولم يشفني من
الخبر ، فأردت أن ألقاه.
فقال له : أما إنك قد رشدت ،
هذا وجهي إليه ، ادخل حيث أدخل ، فإني رأيت أحداً أخافه عليك قمت
إلى الحائط كأني أصلح نعلي ، وامض أنت فمضى ، ومضيت معه حتى دخل ،
ودخلت معه على النبي
، فقلت له : اعرض علي الإسلام فعرضه فأسلمت مكاني ، فقال لي : يا
أبا ذر ، اكتم هذا الأمر ، وارجع إلى بلدك ، فإذا بلغك ظهورنا
فأقبل . فقلت : والذي بعثك بالحق لأصرخن بها بين أظهرهم ، فجئت إلى
المسجد وقريش فيه ، فقلت : يا معشر قريش ، إني أشهد أن لا إله إلا
الله ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، فقالوا : قوموا إلى هذا
الصابئ فقاموا فضربت لأموت ، فأدركني العباس ، فأكب علي ، ثم أقبل
عليهم فقال ويلكم تقتلون رجلاً من غفار ؟ ومتجركم وممركم على غفار
. فأقلعوا عني ، فلما أن أصبحت الغد ، رجعت ، فقلت مثل ما قلت
بالأمس ، فقالوا قوموا إلى هذا الصابئ ، فصنع بي ما صنع بالأمس ،
فأدركني العباس فأكب علي وقال مثل مقالته بالأمس .
4- طفيل
بن عمرو الدوسي _ كان رجلاً شريفاً شاعراً لبيباً رئيس قبيلة دوس ،
وكان لقبيلته إمارة أو شبه إمارة في بعض نواحي اليمن ، قدم مكة في
عام 11 من النبوة فاستقبله أهلها قبل وصوله إليها وبذلوا له أجل
تحية وأكرم التقدير ، وقالوا له : يا طفيل ، إنك قدمت بلادنا ،
وهذا الرجل الذي بين أظهرنا قد أعضل بنا ، وقد فرق جماعتنا ، وشتت
أمرنا ، وإنما قوله كالسحر ، يفرق بين الرجل وأبيه وبين الرجل
وأخيه ، وبين الرجل وزوجه ، وإنا نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل
علينا ، فلا تكلمه ولا تسمعن منه شيئاً .
يقول طفيل : فوالله ما زالوا
بي حتى أجمعت أن لا أسمع منه شيئاً ولا أكلمه ، حتى حشوت أذني حين
غدوت إلى المسجد كرسفا ، فرقا من أن يبلغني شيء من قوله ، قال
فغدوت إلى المسجد ، فإذا هو قائم يصلي عند الكعبة ، فقمت قريباً ،
فأبى الله إلا أن يسمعني بعض قوله ، فسمعت كلاماً حسناً فقلت في
نفسي : واثكل أمي ، والله إني رجل لبيب شاعر ، ما يخفى علي الحسن
من القبيح ، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول ؟ فإن كان
حسناً قبلته وإن كان قبيحاً تركته ، فمكث حتى انصرف إلى بيته
فاتبعته ، حتى إذا دخل بيته دخلت عليه فعرضت عليه قصة مقدمي ،
وتخويف الناس إياي ، وسد الأذن بالكرسف ، ثم سماع بعض كلامه ، وقلت
له : اعرض علي أمرك ، فعرض علي الإسلام ، وتلا علي القرآن ،
فوالله ما سمعت قولاً قط أحسن منه ، ولا أمراً أعدل منه ، فأسلمت
وشهدت شهادة الحق ، وقلت له : إني مطاع من قومي ، وراجع إليهم ،
وداعيهم إلى الإسلام ، فادع الله أن يجعل لي آية ، فدعا.
وكانت آيته أنه لما دنا من
قومه جعل الله نوراً في وجهه مثل المصباح ، فقال : اللهم في غير
وجهي ، أخشى أن يقولوا : هذه مثلة ، فتحول النور إلى سوطه ، فدعا
أباه وزوجته إلى الإسلام فأسلما ، وأبطأ عليه قومه في الإسلام لكن
لم يزل بهم حتى هاجر بعد الخندق ومعه سبعون أو ثمانون بيتاً من
قومه وقد أبلى في الإسلام بلاء حسناً ، وقتل شهيداً يوم اليمامة .
5-
ضماذ الأزدي _ كان من أزد شنوءة من
اليمن ، وكان يرقي من هذا الريح ، قدم مكة فسمع سفهاءها يقولون :
إن محمد مجنون ، فقال : لو أني أتيت هذا الرجل لعل الله يشفيه على
يدي ، فلقيه فقال : يا محمد ، إني أرقي من هذا الريح ، فهل لك ؟
فقال رسول الله
: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن
يضلله فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ،
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أما بعد .
فقال : أعد علي كلماتك هؤلاء فأعادهن عليه رسول الله
ثلاث مرات ، فقال : لقد سمعت قول الكهنة وقول السحرة وقول الشعراء
، فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء ، ولقد بلغن قاموس البحر ، هات يدك
أبايعك على الإسلام ، فبايعه .