|
المرحلة الثانية ( الدعوة جهاراً )
- فكرة الطغاة في إعدام النبي |
وبعد فشل قريش وخيبتهم في
الوفادتين عادوا إلى ضراوتهم وتنكيلهم بأشد مما كان قبل ذلك ،
وخلال هذه الأيام نشأت في طغاتهم فكرة إعدامه
بطريق أخرى وكانت هذه الفكرة وتلك الضراوة هي التي سببت في تقوية
الإسلام ببطلين جليلين من أبطال مكة ، وهما حمزة بن عبدالمطلب ،
وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما.
فمن تلك الضراوة أن عتيبة بن
أبي لهب أتى يوماً إلى رسول الله
فقال : أنا أكفر بـ
النجم إذا هوى
و بالذي
دنا فتدلى
ثم تسلط عليه بالأذى وشق قميصه وتفل في وجهه إلا أن البزاق لم يقع
عليه وحينئذ دعا عليه النبي
وقال . اللهم سلط عليه كلباً من كلابك ، وقد استجيب دعاؤه
فقد خرج عتيبة مرة في نفر من قريش حتى نزلوا في مكان من الشام فغدا
عليه الأسد من بين القوم وأخذ برأسه فذبحه .
ومنها ما ذكر أن عقبة بن أبي
معيط وطئ على رقبته الشريفه وهو ساجد حتى كادت عيناه تبرزان .
ومما يدل على أن طغاتهم كانوا
يريدون قتله
ما رواه ابن إسحاق في حديث طويل ، قال : قال أبو جهل :
يا معشر قريش إن محمداً قد أبى إلا ما ترون من عيب ديننا ، وشتم
آبائنا ، وتسفيه أحلامنا ، وشتم آلهتنا ، وإني أعاهد الله لأجلسن
له بحجر ما أطيق حمله ، فإذا سجد في صلاته فضخت به رأسه ، فأسلموني
عند ذلك أو أمنعوني فليصنع بعد ذلك بنو بعد مناف ما بدا لهم ،
قالوا : والله لا نسلمك لشيء أبداً فامض لما تريد .
فلما أصبح أبو جهل أخذ حجراُ
كما وصف ، ثم جلس لرسول الله
ينتظره وغدا رسول الله
كما كان يغدو فقام يصلي ، وقد غدت قريش فجلسوا في أنديتهم ،
ينتظرون ما أبو جهل فاعل ـ فلما سجد رسول الله
، احتمل أبو جهل الحجر ، ثم أقبل نحوه ، حتى إذا دنا منه رجع
منهزماً منتقعاً لونه ، مرعوباً قد يبست يداه على حجره ، حتى قذف
الحجر من يده وقامت إليه رجال قريش فقالوا له : مالك يا أبا الحكم
؟ قال : قمت إليه لأفعل به ما قلت لكم البارحة ، فلما دنوت منه عرض
لي دونه فحل من الإبل ، لا والله ما رأيت مثل هامته ، ولا مثل
قصرته ولا أنيابه لفحل قط ، فهمّ بي أن يأكلني .
قال ابن إسحاق : فذكر لي أن
رسول الله
قال : ذلك جبريل عليه السلام لو دنا لأخذه .
وبعد ذلك فعل أبو جهل برسول
الله
ما أدى إلى إسلام حمزة رضي الله عنه وسيأتي .
أما طغاة قريش فلم تزل فكرة
إعدام تنضج في قلوبهم ، روى ابن إسحاق عن عبد الله بن عمرو بن
العاص قال : حضرتهم وقد اجتمعوا في الحجر ، فذكروا رسول الله
، فقالوا : ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من أمر هذا الرجل ، لقد
صبرنا منه على أمر عظيم ، فبينا هم كذلك ، إذ طلع رسول الله
فأقبل يمشي حتى استلم الركن ، ثم مر بهم طائفاً بالبيت ، فغمزوه
ببعض القول ، فعرفت ذلك في وجه رسول الله
، فلما مرّ بهم الثانية غمزوه بمثلها فعرفت ذلك في وجهه ، ثم مرّ
بهم الثالثة فغمزوه بمثلها ، فوقف ثم قال : أتسمعون يا معشر قريش ،
أما والذي نفسي بيده لقد جئتكم بالذبح ، فأخذت القوم كلمته ، حتى
ما منهم رجل إلا كأنما على رأسه طائر واقع حتى إن أشدهم فيه ليرفؤه
بأحسن ما يجد ، ويقول : انصرف يا أبا القاسم ، فو الله ما كنت
جهولاً.
فلما كان الغد اجتمعوا كذلك
يذكرون أمره إذ طلع عليهم ، فوثبوا إليه وثبة رجل واحد وأحاطوا به
، فلقد رأيت رجلاً منهم أخذ بمجمع ردائه ، وقام أبو بكر دونه وهو
يبكي ويقول : أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله ؟ ثم انصرفوا عنه .
قال ابن عمرو: فإن ذلك لأشد ما رأيت قريشاً نالوا منه قط . انتهى
ملخصاً .
وفي رواية البخاري
عن عروة بن الزبير قال : سألت ابن عمرو بن العاص أخبرني بأشد شئ
صنعه المشركون بالنبي
قال : بينا النبي
يصلي في حجر الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط ، فوضع ثوبه في عنقه
فخنقه خنقاً شديداً ، فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبيه ودفعه عن
النبي
وقال : أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله ؟
وفي حديث أسماء : فأتى الصريخ
إلى أبي بكر ، فقال : أدرك صاحبك ، فخرج من عندنا ، وعليه غدائر
أربع ، فخرج وهو يقول : أتقتلون رجلاً أن يقول : ربي الله ؟ فلهوا
عنه ، وأقبلوا على أبي بكر ، فرجع إلينا لا نمس شيئاً من غدائره
إلا رجع معنا.