|
المرحلة الثانية ( الدعوة جهاراً )
- الصدع بالحق وردود فعل المشركين |
ولم يزل هذا الصوت يرتج دويه في أرجاء مكة حتى نزل قوله
تعالى :
فاصدع بما تؤمر وأعرض عن
المشركين
فقام رسول الله
يعكر على خرافات الشرك وترهاته ويذكر حقائق الأصنام وما لها من
قيمة في الحقيقة ، يضرب بعجزها الأمثال ويبين بالبينات أن من عبدها
وجعلها وسيلة بينه وبين الله فهو في ضلال مبين .
انفجرت مكة بمشاعر الغضب وماجت بالغرابة والاستنكار
حين سمعت صوتاً يجهر بتضليل المشركين وعباد الأصنام كأنه صاعقة
قصفت السحاب ، فرعدت وبرقت وزلزلت الجو الهادئ وقامت قريش تستعد
لحسم هذه الثورة التي اندلعت بغتة ويخشى أن تأتي على تقاليدها
وموروثاتها .
قامت لأنها عرفت أن معنى الإيمان بنفي الألوهية عما
سوى الله ومعنى الإيمان بالرسالة وباليوم الآخر هو الانقياد التام
والتفويض المطلق ، يحيث لا يبقى لهم خيار في أنفسهم وأموالهم فضلاً
عن غيرهم . ومعنى ذلك انتفاء سيادتهم وكبريائهم على العرب التي
كانت بالصبغة الدينيه وامتناعهم عن تنفيذ مرضاتهم أمام مرضاة الله
ورسوله وامتناعهم عن المظالم التي كانوا يفترونها على الأوساط
السافلة ، وعن السيئات التي كانا يجترحونها صباح مساء . عرفوا هذا
المعنى فكانت نفوسهم تأبى عن قبول هذا الوضع المخزي لا لكرامة وخير
بل يريد الإنسان ليفجر أمامه
عرفوا كل ذلك جيداً ولكن ماذا سيفعلون أما رجل صادق
أمين ، أعلى مثل للقيم البشرية ولمكارم الأخلاق ، لم يعرفوا له
نظيراً ولا مثيلاً خلال فترة طويلة من تاريخ الآباء والأقوام ؟
ماذا سيفعلون ؟ تحيروا في ذلك وحق لهم أن يتحيروا..... وبعد إدارة
فكرتهم لم يجدوا سبيلاً إلا أن يأتوا إلى عمه أبي طالب ، فيطلبوا
منه أن يكف ابن أخيه عما هو فيه ، ورأوا لإلباس طلبهم لباس الجد
والحقيقة أن يقولوا : إن الدعوة إلى ترك آلهتهم ، والقول بعدم
نفعها وقدرتها سبة قبيحة وإهانة شديدة لها ، وفيه تسفيه وتضليل
لآبائهم الذين كانوا على الدين ، وجدوا هذا السبيل فتسارعوا إلى
سلوكها .