|
بيعة العقبة الثانية -
تأكد الخبر لدى قريش ومطاردة
المبايعين |
عاد زعماء مكة وهم على شبه
اليقين من كذب هذا الخبر ، لكنهم لم يزالوا يتنطسونه _ يكثرون
البحث عنه ويدققون النظر فيه _ حتى تأكد لديهم أن الخبر صحيح ،
والبيعة قد تمت فعلاً . وذلك بعد ما نفر الحجيج إلى أوطانهم ،
فسارع فرسانهم بمطاردة اليثربيين ، ولكن بعد فوات الأوان ، إلا
أنهم تمكنوا من رؤية سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو ، فطاردوهما ،
فأما المنذر فأعجز القوم ، وأما سعد فألقوا القبض عليه ، فربطوا
يديه إلى عنقه بنسع رحله ، وجعلوا يضربونه ويجرونه ويجرون شعره حتى
أدخلوه مكة ، فجاء المطعم بن عدي والحارث بن حرب بن أمية فخلصاه من
أيديهم . إذ كان سعد يجير لهما قوافلهما المارة بالمدينة ، وتشاورت
الأنصار حين فقدوه أن يكروا إليه ، فإذا هو قد طلع عليهم ، فوصل
القوم جميعاً إلى المدينة .
هذه هي بيعة العقبة الثانية _
التي تعرف ببيعة العقبة الكبرى _ وقد تمت في جو تعلوه عواطف الحب
والولاء ، والتناصر بين أشتات المؤمنين ، والثقة والشجاعة
والاستبسال في هذا السبيل ، فمؤمن من أهل يثرب يحنو على أخيه
المستضعف في مكة ، ويتعصب له ويغضب من ظالمه ، وتجيش في حناياه
مشاعر الود لهذا الأخ الذي أحبه بالغيب في ذات الله .
ولم تكن هذه المشاعر والعواطف
نتيجة نزعة عابرة تزول على مر الأيام ، بل كان مصدرها هو الإيمان
بالله وبرسوله وبكتابه ، إيمان لا يزول أمام أي قوة من قوات الظلم
والعدوان ، إيمان إذا هبت ريحه جاءت بالعجائب في العقيدة والعمل ،
وبهذا الإيمان استطاع المسلمون أن يسجلوا على أوراق الدهر أعمالاً
، ويتركوا عليها آثاراً ، خلا عن نظائرها الغابر والحاضر ، وسوف
يخلو المستقبل .