|
غزوة تبوك ( في رجب
سنة 9 هـ ) - الجيش الإسلامي بتبوك |
نزل الجيش الإسلامي بتبوك ،
فعسكر هناك ، وهو مستعد للقاء العدو ، وقام رسول اللّه
فيهم خطيباً ، فخطب خطبة بليغة ، أتى بجوامع الكلم، وحض على خير
الدنيا والآخرة ، وحذر وأنذر ، وبشر وأبشر ، حتى رفع معنوياتهم ،
وجبر بها ما كان فيهم من النقص والخلل من حيث قلة الزاد والمادة
والمؤنة . وأما الرومان وحلفاؤهم فلما سمعوا بزحف رسول اللّه
أخذهم الرعب ، فلم يجترئوا على التقدم واللقاء ، بل تفرقوا في
البلاد في داخل حدودهم ، فكان لذلك أحسن أثر بالنسبة إلى سمعة
المسلمين العسكرية ، في داخل الجزيرة وأرجائها النائية ، وحصل بذلك
المسلمون على مكاسب سياسية كبيرة خطيرة ، لعلهم لم يكونوا يحصلون
عليها لو وقع هناك اصطدام بين الجيشين .
جاء يُحَنَّةُ بن
رُؤْبَةَ صاحب أيْلَةَ ، فصالح الرسول
وأعطاه الجزية ، وأتاه أهل جَرْبَاء وأهل أذْرُح ، فأعطوه الجزية ،
وكتب لهم رسول اللّه
كتاباً فهو عندهم ، وصالحه أهل مِينَاء على ربع ثمارها ، وكتب
لصاحب أيلة :
بسم اللّه الرحمن الرحيم ، هذه أمنة من
اللّه ومحمد النبي رسول اللّه ليحنة بن رؤبة وأهل أيلة ، سفنهم
وسياراتهم في البر والبحر لهم ذمة اللّه وذمة محمد النبي ، ومن كان
معه من أهل الشام وأهل البحر ، فمن أحدث منهم حدثاً ، فإنه لا يحول
ماله دون نفسه ، وإنه طيب لمن أخذه من الناس ، وأنه لا يحل أن
يمنعوا ماء يردونه ، ولا طريقاً يريدونه من بر أو بحر
.
وبعث رسول اللّه
خالد بن الوليد إلى أُكَيْدِرِ دُومَة الجَنْدَل في أربعمائة
وعشرين فارسا ً، وقال له : ( إنك ستجده يصيد البقر ) ، فأتاه
خالد ، فلما كان من حصنه بمنظر العين ، خرجت بقرة ، تحك بقرونها
باب القصر ، فخرج أكيدر لصيدها ـ وكانت ليلة مقمرة ـ فتلقاه خالد
في خيله ، فأخذه وجاء به إلى رسول اللّه
، فحقن دمه ، وصالحه على ألفي بعير ، وثمانمائة رأس وأربعمائة درع
، وأربعمائة رمح ، وأقر بإعطاء الجزية ، فقاضاه مع يُحَنَّة على
قضية دُومَة وتبوك وأيْلَةَ وَتَيْماء .
وأيقنت القبائل التي
كانت تعمل لحساب الرومان أن اعتمادها على سادتها الأقدمين قد فات
أوانه ، فانقلبت لصالح المسلمين ، وهكذا توسعت حدود الدولة
الإسلامية ، حتى لاقت حدود الرومان مباشرة ، وشهد عملاء الرومان
نهايتهم إلى حد كبير .