|
غزوة تبوك ( في رجب
سنة 9 هـ ) - الجيش الإسلامي إلى تبوك |
وهكذا تجهز الجيش ، فاستعمل رسول اللّه
على المدينة محمد بن مسلمة الأنصاري، وقيل : سِبَاع بن
عُرْفُطَةَ ، وخلف على أهله علي بن أبي طالب ، وأمره بالإقامة فيهم
، وغَمَصَ عليه المنافقون ، فخرج فلحق برسول الله
، فرده إلى المدينة وقال :
ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ، إلا أنه لا نبي
بعدي
.
وتحرك رسول اللّه
يوم الخميس نحو الشمال يريد تبوك ، ولكن الجيش كان كبيراً ـ ثلاثون
ألف مقاتل ، لم يخرج المسلمون في مثل هذا الجمع الكبير قبله قط ـ
فلم يستطع المسلمون مع ما بذلوه من الأموال أن يجهزوه تجهيزاً
كاملاً ، بل كانت في الجيش قلة شديدة بالنسبة إلى الزاد والمراكب ،
فكان ثمانية عشر رجلاً يعتقبون بعيراً واحداً ، وربما أكلوا أوراق
الأشجار حتى تورمت شفاههم ، واضطروا إلى ذبح البعير ـ مع قلتها ـ
ليشربوا ما في كرشه من الماء ، ولذلك سمي هذا الجيش جيش
العُسْرَةِ .
ومر الجيش الإسلامي
في طريقه إلى تبوك بالحِجْر ـ ديار ثمود الذين جابوا الصخر بالواد
، أي وادي القُرَى ـ فاستقى الناس من بئرها ، فلما راحوا قال رسول
اللّه
:
لا تشربوا من مائها ولا تتوضأوا منه للصلاة
، وما كان من عجين عجنتموه فاعلفوه الإبل ، ولا تأكلوا منه شيئاً
، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها ناقة صالح رسول الله
.
وفي الصحيحين عن ابن
عمر قال: لما مر النبي
بالحجر قال :
لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم أن
يصيبكم ما أصابهم إلا أن تكونوا باكين
، ثم قَنعَ رأسه وأسرع بالسير حتى جاز الوادي .
واشتدت في الطريق
حاجة الجيش إلى الماء حتى شكوا إلى رسول اللّه ، فدعا اللّه ،
فأرسل اللّه سحابة فأمطرت حتى ارتوى الناس ، واحتملوا حاجاتهم من
الماء .
ولما قرب من تبوك
قال :
إنكم ستأتون غداً إن شاء اللّه تعالى عين تبوك ، وإنكم لن تأتوها
حتى يَضْحَى النهار ، فمن جاءها فلا يمس من مائها شيئاً حتى آتي
، قال معاذ : فجئنا وقد سبق إليها رجلان ، والعين تَبِضُّ بشيء
من مائها ، فسألهما رسول اللّه
: ( هل مسستما من مائها شيئاً ؟ ) قالا : نعم . وقال
لهما ما شاء اللّه أن يقول . ثم غرف من العين قليلاً قليلاً حتى
اجتمع الْوَشَلُ ، ثم غسل رسول اللّه
فيه وجهه ويده ، ثم أعاده فيها فجرت العين بماء كثير ، فاستقى
الناس ، ثم قال رسول الله
:
يوشك يا معاذ ، إن طالت بك حياة أن ترى
هاهنا قد ملئ جناناً
.
وفي الطريق أو لما
بلغ تبوك ـ على اختلاف الروايات ـ قال رسول اللّه
:
تهب عليكم الليلة ريح شديدة، فلا يقم أحد
منكم، فمن كان له بعير فليشد عِقَالَه
، فهبت ريح شديدة ، فقام رجل فحملته الريح حتى ألقته بجبلي طيء
.
وكان دأب رسول اللّه
في الطريق أنه كان يجمع بين الظهر والعصر ، وبين المغرب والعشاء
جمع التقديم وجمع التأخير كليهما .