|
غزوة تبوك ( في رجب
سنة 9 هـ ) - الأخبار العامة عن
استعداد الرومان وغسان |
وكانت الأنباء
تترامى إلى المدينة بإعداد الرومان ، للقيام بغزوة حاسمة ضد
المسلمين ، حتى كان الخوف يتسورهم كل حين ، لا يسمعون صوتاً غير
معتاد إلا ويظنونه زحف الرومان ، ويظهر ذلك جلياً مما وقع لعمر بن
الخطاب ، فقد كان النبي
آلى من نسائه شهراً في هذه السنة ( 9هـ ) وكان هجرهن واعتزل
عنهن في مشربة له ، ولم يفطن الصحابة إلى حقيقة الأمر في بدايته ،
فظنوا أن النبي
طلقهن ، فسرى فيهم الهم والحزن والقلق ، يقول عمر بن الخطاب ـ
وهو يروي هذه القصة : وكان لي صاحب من الأنصار إذا غبت أتاني
بالخبر ، وإذا غاب كنت آتية أنا بالخبر ـ وكانا يسكنان في عوالي
المدينة ، يتناوبان إلى النبي
ـ ونحن نتخوف ملكاً من ملوك غسان ذكر لنا أنه يريد أن يسير إلينا ،
فقد امتلأت صدورنا منه ، فإذا صاحبي الأنصاري يدق الباب ، فقال :
افتح ، افتح ، فقلت : جاء الغساني ؟ فقال : بل أشد من ذلك ،
اعتزل رسول اللّه
أزواجه ... الحديث .
وفي لفظ آخر ( أنه
قال ) : وكنا تحدثنا أن آل غسان تنعل النعال لغزونا ، فنزل صاحبي
يوم نَوْبَتِهِ ، فرجع عشاء ، فضرب بابي ضرباً شديداً وقال :
أنائم هو ؟ ففزعت ، فخرجت إليه ، وقال : حدث أمر عظيم .
فقلت : ما هو ؟ أجاءت غسان ؟ قال : لا بل أعظم منه وأطول ،
طلق رسول اللّه
نساءه ... الحديث .
وهذا يدل على خطورة
الموقف ، الذي كان يواجهه المسلمون بالنسبة إلى الرومان ، ويزيد
ذلك تأكداً ما فعله المنافقون حينما نقلت إلى المدينة أخبار إعداد
الرومان ، فبرغم ما رآه هؤلاء المنافقون من نجاح رسول اللّه
في كل الميادين ، وأنه لا يوجل من سلطان على ظهر الأرض ، بل يذيب
كل ما يعترض في طريقه من عوائق ـ برغم هذا كله ـ طفق هؤلاء
المنافقون يأملون في تحقق ما كانوا يخفونه في صدورهم ، وما كانوا
يتربصونه من الشر بالإسلام وأهله . ونظراً إلى قرب تحقق آمالهم
أنشأوا وكرة للدس والتآمر ، في صورة مسجد ، وهو مسجد الضِّرَار ،
أسسوه كفراً وتفريقاً بين المؤمنين وإرصاداً لمن حارب اللّه ورسوله
، وعرضوا على رسول اللّه
أن يصلي فيه ، وإنما مرامهم بذلك أن يخدعوا المؤمنين فلا يفطنوا ما
يؤتى به في هذا المسجد من الدس والمؤامرة ضدهم ، ولا يلتفتوا إلى
من يرده ويصدر عنه ، فيصير وكرة مأمونة لهؤلاء المنافقين ولرفقائهم
في الخارج ، ولكن رسول اللّه
أخر الصلاة فيه ـ إلى قفوله من الغزوة ـ لشغله بالجهاز ، ففشلوا في
مرامهم وفضحهم اللّه ، حتى قام الرسول
بهدم المسجد بعد القفول من الغزو ، بدل أن يصلي فيه .