النشاط العسكري بعد بني قريضة
 

 

 مقتل سلام بن أبي الحقيق

 سرية محمد بن مسلمة

 غزوة بني لحيان

 متابعة البعوث والسرايا

 

 

 

النشاط العسكري بعد غزوة بني قريضة - مقتل سلام بن أبي الحقيق

   كان سلام بن أبي الحقيق ـ وكنيته أبو رافع ـ من أكابر مجرمي اليهود الذين حزبوا الأحزاب ضد المسلمين ، وأعانهم بالمؤن والأموال الكثيرة ، وكان يؤذي رسول الله ، فلما فرغ المسلمون من أمر قريظة استأذنت الخزرج رسول الله في قتله‏ .‏ وكان قتل كعب بن الأشرف على أيدي رجال من الأوس ، فرغبت الخزرج في إحراز فضيلة مثل فضيلتهم ، فلذلك أسرعوا إلى هذا الاستئذان ‏.‏

   وأذن رسول الله في قتله ونهى عن قتل النساء والصبيان ، فخرجت مفرزة قوامها خمسة رجال ، كلهم من بني سلمة من الخزرج ، قائدهم عبد الله بن عَتِيك‏ .‏

   خرجت هذه المفرزة ، واتجهت نحو خيبر ، إذ كان هناك حصن أبي رافع ، فلما دنوا منه ، وقد غربت الشمس ، وراح الناس بسرحهم ، قال عبد الله بن عتيك لأصحابه‏ :‏ اجلسوا مكانكم ، فإني منطلق ومتلطف للبواب ، لعلي أن أدخل ، فأقبل حتى دنا من الباب ، ثم تقنع بثوبه كأنه يقضي حاجته ، وقد دخل الناس ، فهتف به البواب‏ :‏ يا عبد الله ، إن كنت تريد أن تدخل فادخل ، فإني أريد أن أغلق الباب ‏.‏

   قال عبد الله بن عَتِيك ‏:‏ فدخلت فكمنت ، فلما دخل الناس أغلق الباب ، ثم علق الأغاليق على وَدٍّ‏ .‏ قال‏ :‏ فقمت إلى الأقاليد فأخذتها ، ففتحت الباب ، وكان أبو رافع يسمر عنده ، وكان في علالي له ، فلما ذهب عنه أهل سمره صعدت إليه ، فجعلت كلما فتحت باباً أغلقت علي من داخل ‏.‏ قلت‏ :‏ إن القوم لو نَذِروا بي لم يخلصوا إلى حتى أقتله ، فانتهيت إليه ، فإذا هو في بيت مظلم وسط عياله ، لا أدري أين هو من البيت ‏.‏ قلت ‏:‏ أبا رافع ، قال ‏:‏ من هذا ‏؟‏ فأهويت نحو الصوت فأضربه ضربة بالسيف وأنا دهش ، فما أغنيت شيئاً ، وصاح ، فخرجت من البيت ، فأمكث غير بعيد ، ثم دخلت إليه ، فقلت ‏:‏ ما هذا الصوت يا أبا رافع‏ ؟‏ فقال ‏:‏ لأمك الويل ، إن رجلاً في البيت ضربني قبل بالسيف ‏.‏ قال‏ :‏ فأضربه ضربة أثخنته ولم أقتله ‏.‏ ثم وضعت ضَبِيب السيف في بطنه حتى أخذ في ظهره ، فعرفت أني قتلته ، فجعلت أفتح الأبواب باباً باباً ، حتى انتهيت إلى درجة له ، فوضعت رجلي ، وأنا أرى أني قد انتهيت إلى الأرض ، فوقعت في ليلة مقمرة ، فانكسرت ساقي ، فعصبتها بعمامة ، ثم انطلقت حتى جلست على الباب ‏.‏ فقلت ‏:‏ لا أخرج الليلة حتى أعلم أقتلته ‏؟‏ فلما صاح الديك قام الناعي على السور ، فقال ‏:‏ أنعي أبا رافع تاجر أهل الحجاز ، فانطلقت إلى أصحابي فقلت ‏:‏ النجاء ، فقد قتل الله أبا رافع ‏.‏ فانتهيت إلى النبي ، فحدثته فقال‏ :‏ ‏( ‏ابسط رجلك‏ ) ‏، فبسطت رجلي فمسحها فكأنما لم أشتكها ‏.‏

   هذه رواية البخاري ، وعند ابن إسحاق أن جميع النفر دخلوا على أبي رافع واشتركوا في قتله ، وأن الذي تحامل عليه بالسيف حتى قتله هو عبد الله بن أنيس ، وفيه‏ :‏ أنهم لما قتلوه ليلاً ، وانكسرت ساق عبد الله بن عتيك حملوه ، وأتوا مَنْهَرًا من عيونهم فدخلوا فيه ، وأوقد اليهود النيران واشتدوا في كل وجه ، حتى إذا يئسوا رجعوا إلى صاحبهم ، وأنهم حين رجعوا احتملوا عبد الله بن عتيك حتى قدموا على رسول الله ‏.‏

   كان مبعث هذه السرية في ذي القعدة أو ذي الحجة سنة 5 هـ ‏.‏

   ولما فرغ رسول الله من الأحزاب وقريظة أخذ يوجه حملات تأديبية إلى القبائل والأعراب ، الذين لم يكونوا يستكينون للأمن والسلام إلا بالقوة القاهرة‏ .‏

جميع الحقوق محفوظة لكل مسلم®