وهناك عبأ رسول الله
جيشه ، وهيأهم صفوفاً للقتال
، فاختار منهم فصيلة من الرماة الماهرين
، قوامها خمسون مقاتلاً ، وأعطي
قيادتها لعبد الله بن جبير بن النعمان الأنصاري الأوسي البدري
، وأمرهم بالتمركز على جبل يقع على الضفة الشمالية من وادي
قناة ـ وعرف فيما بعد بجبل الرماة ـ جنوب شرق معسكر المسلمين
، على بعد حوالى مائة وخمسين متراً من مقر الجيش الإسلامي
.
والهدف من ذلك هو ما أبداه رسول الله
في كلماته التي ألقاها إلى هؤلاء الرماة
، فقد قال لقائدهم :
انضح الخيل عنا بالنبل
، لا يأتونا من خلفنا ، إن كانت
لنا أو علينا فاثبت مكانك ، لا نؤتين من
قبلك
وقال للرماة :
احموا ظهورنا
، فإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا
، وإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا
، وفي رواية البخاري أنه قال
:
إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا
تبرحوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم ، وإن
رأيتمونا هزمنا القوم ووطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم
.
بتعين هذه الفصيلة في الجبل مع هذه الأوامر العسكرية
الشديدة سد رسول الله
الثلمة الوحيدة التي كان يمكن لفرسان المشركين أن يتسللوا من
ورائها إلى صفوف المسلمين ، ويقوموا
بحركات الالتفاف وعملية التطويق .
أما بقية الجيش فجعل على الميمنة المنذر بن عمرو
، وجعل على الميسرة الزبير بن العوام
، يسانده المقداد بن الأسود ،
وكان إلى الزبير مهمة الصمود في وجه فرسان خالد بن الوليد
، وجعل في مقدمة الصفوف نخبة
ممتازة من شجعان المسلمين ورجالاتهم المشهورين بالنجدة والبسالة
، والذين يوزنون بالآلاف .
ولقد كانت خطة حكيمة ودقيقة جداً
، تتجلي فيها عبقرية قيادة النبي
العسكرية ، وأنه لا يمكن لأي قائد مهما تقدمت كفاءته أن يضع خطة
أدق وأحكم من هذا ، فقد احتل أفضل موضع من ميدان المعركة ، مع أنه
نزل فيه بعد العدو ، فإنه حمي ظهره ويمينه بارتفاعات الجبل ، وحمي
ميسرته وظهره ـ حين يحتدم القتال ـ بسد الثلمة الوحيدة التي كانت
توجد في جانب الجيش الإسلامي ، واختار لمعسكره موضعاً مرتفعاً
يحتمي به ـ إذا نزلت الهزيمة بالمسلمين ـ ولا يلتجئ إلى الفرار ،
حتى يتعرض للوقوع في قبضة الأعداء المطاردين وأسرهم ، ويلحق مع ذلك
خسائر فادحة بأعدائه إن أرادوا احتلال معسكره وتقدموا إليه ، وألجأ
أعداءه إلى قبول موضع منخفض يصعب عليهم جداً أن يحصلوا على شيء من
فوائد الفتح إن كانت الغلبة لهم ، ويصعب عليهم الإفلات من المسلمين
المطاردين إن كانت الغلبة للمسلمين ، كما أنه عوض النقص العددي في
رجاله باختيار نخبة ممتازة من أصحابه الشجعان البارزين .
وهكذا تمت تعبئة
الجيش النبوي صباح يوم السبت السابع من شهر شوال سنة 3هـ .