أما المسلمون فلما
وقعوا في التطويق طار صواب طائفة منهم ، فلم تكن تهمها إلا أنفسها
، فقد أخذت طريق الفرار ، وتركت ساحة القتال ، وهي لا تدري ماذا
وراءها ؟ وفر من هذه الطائفة بعضهم إلى المدينة حتى دخلها ،
وانطلق بعضهم إلى ما فوق الجبل .
ورجعت طائفة أخرى
فاختلطت بالمشركين ، والتبس العسكران
فلم يتميزا ، فوقع القتل في المسلمين
بعضهم من بعض .
روى البخاري عن عائشة قالت : لما كان يوم أحد هزم
المشركون هزيمة بينة ، فصاح إبليس : أي عباد الله أخراكم ـ أي
احترزوا من ورائكم ـ فرجعت أولاهم فاجتلدت هي وأخراهم ، فبصر حذيفة
، فإذا هو بأبيه اليمان ، فقال : أي عباد الله أبي أبي . قالت
: فوالله ما احتجزوا عنه حتى قتلوه ، فقال حذيفة : يغفر الله
لكم . قال عروة : فوالله ما زالت في حذيفة بقية خير حتى لحق
بالله .
وهذه الطائفة حدث
داخل صفوفها ارتباك شديد ، وعمتها الفوضى ، وتاه منها الكثيرون ،
لا يدرون أين يتوجهون ، وبينما هم كذلك إذ سمعوا صائحاً يصيح :
إن محمداً قد قتل ، فطارت بقية صوابهم ، وانهارت الروح المعنوية أو
كادت تنهار في نفوس كثير من أفرادها ، فتوقف من توقف منهم عن
القتال ، وألقى بأسلحته مستكيناً ، وفكر آخرون في الاتصال بعبد
الله بن أبي ـ رأس المنافقين ـ ليأخذ لهم الأمان من أبي سفيان .
ومر بهؤلاء أنس بن النضر ، وقد ألقوا ما بأيديهم فقال : ما
تنتظرون ؟ فقالوا : قتل رسول الله
، قال : ما تصنعون بالحياة بعده ؟ قوموا فموتوا على ما مات
عليه رسول الله
، ثم قال : اللّهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء ، يعني المسلمين
، وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء ، يعني المشركين ، ثم تقدم فلقيه سعد
بن معاذ ، فقال : أين يا أبا عمر ؟ فقال أنس : واها لريح
الجنة يا سعد ، إني أجده دون أحد ، ثم مضي فقاتل القوم حتى قتل ،
فما عرف حتى عرفته أخته ـ بعد نهاية المعركة ـ ببنانه ، وبه بضع
وثمانون ما بين طعنة برمح ، وضربة بسيف ، ورمية بسهم .
ونادى ثابت بن
الدَحْدَاح قومه فقال : يا معشر الأنصار ، إن كان محمد قد قتل ،
فإن الله حي لا يموت ، قاتلوا على دينكم ، فإن الله مظفركم وناصركم
. فنهض إليه نفر من الأنصار ، فحمل بهم على كتيبة فرسان خالد فما
زال يقاتلهم حتى قتله خالد بالرمح ، وقتل أصحابه .
ومر رجل من
المهاجرين برجل من الأنصار ، وهو يتَشَحَّطُ في دمه ، فقال : يا
فلان ، أشعرت أن محمداً قد قتل ؟ فقال الأنصاري : إن كان محمد
قد قتل فقد بَلَّغ ، فقاتلوا عن دينكم .
وبمثل هذا الاستبسال
والتشجيع عادت إلى جنود المسلمين روحهم المعنوية ، ورجع إليهم
رشدهم وصوابهم ، فعدلوا عن فكرة الاستسلام أو الاتصال بابن أبي ،
وأخذوا سلاحهم ، يهاجمون تيارات المشركين ، وهم يحاولون شق الطريق
إلى مقر القيادة ، وقد بلغهم أن خبر مقتل النبي
كذب مُخْتَلَق ، فزادهم ذلك قوة على
قوتهم ، فنجحوا في الإفلات عن التطويق
، وفي التجمع حول مركز منيع ،
بعد أن باشروا القتال المرير ، وجالدوا
بضراوة بالغة .
وكانت هناك طائفة ثالثة لم يكن يهمهم إلا رسول الله
.
فقد كرت هذه الطائفة إلى رسول الله
، وعمل التطويق في بدايته ، وفى
مقدمة هؤلاء أبو بكر الصديق ، وعمر بن
الخطاب ، وعلي بن أبي طالب وغيرهم ـ رضي
الله عنهم ـ كانوا في مقدمة المقاتلين ،
فلما أحسوا بالخطر على ذاته الشريفة ـ عليه الصلاة والسلام والتحية
ـ صاروا في مقدمة المدافعين .