وبينما كان الجيش الإسلامي الصغير يسجل مرة أخري نصراً
ساحقاً على أهل مكة لم يكن أقل روعة من النصر الذي اكتسبه يوم بدر
، وقعت من أغلبية فصيلة الرماة غلطة فظيعة قلبت الوضع
تماماً ، وأدت إلى إلحاق الخسائر
الفادحة بالمسلمين ، وكادت تكون سبباً
في مقتل النبي
، وقد تركت أسوأ أثر على سمعتهم
، وعلى الهيبة التي كانوا يتمتعون بها بعد بدر
.
لقد أسلفنا نصوص الأوامر الشديدة التي أصدرها رسول
الله
إلى هؤلاء الرماة ، بلزومهم موقفهم من
الجبل في كل حال من النصر أو الهزيمة ،
ولكن على رغم هذه الأوامر المشددة لما رأى هؤلاء الرماة أن
المسلمين ينتهبون غنائم العدو غلبت عليهم أثارة من حب الدنيا ،
فقال بعضهم لبعض : الغنيمة ، الغنيمة ، ظهر أصحابكم ، فما
تنتظرون ؟
أما قائدهم عبد الله
بن جبير ، فقد ذكرهم أوامر الرسول
، وقال : أنسيتم ما قال لكم رسول الله
؟
ولكن الأغلبية
الساحقة لم تلق لهذا التذكير بالاً ، وقالت : والله لنأتين الناس
فلنصيبن من الغنيمة .
ثـم غـادر أربعون
رجلاً أو أكثر هؤلاء الرماة مواقعهم من الجبل ، والتحقوا بسَوَاد
الجيش ليشاركـوه فـي جمع الغنائم .
وهكذا خلت ظهور
المسلمين ، ولم يبق فيها إلا ابن جبير وتسعة أو أقل من أصحابه
والتزموا مواقفهم مصممين على البقاء حتى يؤذن لهم أو يبادوا .
|
خالد بن الوليد
يقوم بخطة تطويق الجيش الإسلامي |
وانتهز خالد بن
الوليد هذه الفرصة الذهبية ، فكرَّ بسرعة خاطفة إلى جبل الرماة
ليدور من خلفه إلى مؤخرة الجيش الإسلامي ، فلم يلبث أن أباد عبد
الله بن جبير وأصحابه إلا البعض الذين لحقوا بالمسلمين ، ثم انقض
على المسلمين من خلفهم ، وصاح فرسانه صيحة عرف بها المشركون
المنهزمون بالتطور الجديد فانقلبوا على المسلمين ، وأسرعت امرأة
منهم ـ وهي عمرة بنت علقمة الحارثية ـ فرفعت لواء المشركين المطروح
على التراب ، فالتف حوله المشركون ولاثوا به ، وتنادي بعضهم بعضاً
، حتى اجتمعوا على المسلمين ، وثبتوا للقتال ، وأحيط المسلمون من
الأمام والخلف ، ووقعوا بين شِقَّي الرحى .
|
موقف الرسول
الباسل إزاء عمل التطويق |
وكان رسول الله
حينئذ في مفرزة صغيرة ـ تسعة نفر من أصحابه ـ في مؤخرة المسلمين ،
كان يرقب مجالدة المسلمين ومطاردتهم المشركين ، إذ بوغت بفرسان
خالد مباغتة كاملة ، فكان أمامه طريقان : إما أن ينجو ـ بالسرعة
ـ بنفسه وبأصحابه التسعة إلى ملجأ مأمون ، ويترك جيشه المطوق إلى
مصيره المقدور ، وإما أن يخاطر بنفسه فيدعو أصحابه ليجمعهم حوله ،
ويتخذ بهم جبهة قوية يشق بها الطريق لجيشه المطوق إلى هضاب أحد .
وهناك تجلت عبقرية
الرسول
وشجاعته المنقطعة النظير ، فقد رفع صوته ينادي أصحابه :
عباد الله
، وهو يعرف أن المشركين سوف يسمعون صوته قبل أن يسمعه المسلمون ،
ولكنه ناداهم ودعاهم مخاطراً بنفسه في هذا الظرف الدقيق .
وفعلاً فقد علم به
المشركون فخلصوا إليه ، قبل أن يصل إليه المسلمون .