مكاتبة الملوك والأمراء
 

 

مكاتبة الملوك والأمراء

الكتاب إلى النجاشي ملك الحبشة

الكتاب إلى المقوقس ملك مصر

الكتاب إلى كسرى ملك فارس

الكتاب إلى قيصر ملك الروم

الكتاب إلى المنذر بن ساوى

الكتاب إلى هوذة بن علي

الكتاب إلى الحارث الغساني

 الكتاب إلى ملك عمان

 

 

 

مكاتبة الملوك والأمراء - الكتاب إلى ملك عمان

  وكتب النبي ‏كـتاباً إلى ملـك عمان جَيْفَر وأخيه عبد ابني الجُلَنْدَي، ونصه‏ :‏

بسم الله الرحمن الرحيم‏

   من محمد رسول الله إلى جيفر وعبد ابني الجلندي ، سلام على من اتبع الهدى ، أما بعد ‏:‏

   فإني أدعوكما بدعاية الإسلام ، أسلما تسلما ، فإني رسول الله إلى الناس كافة ، لأنذر من كان حياً ويحق القول على الكافرين ، فإنكما إن أقررتما بالإسلام وليتكما ، وإن أبيتما ‏أن تقرا بالإسلام ‏فإن ملككما زائل ، وخيلي تحل بساحتكما ، وتظهر نبوتي على ملككما .

   واختار لحمل هذا الكتاب عمرو بن العاص رضي الله عنه قال عمرو ‏:‏ فخرجت حتى انتهيت إلى عمان ، فلما قدمتها عمدت إلى عبد ـ وكان أحلم الرجلين ، وأسهلهما خلقاً ـ فقلت ‏:‏ إني رسول رسول الله إليك وإلى أخيك ، فقال ‏:‏ أخي المقدم علي بالسن والملك ، وأنا أوصلك إليه حتى يقرأ كتابك ، ثم قال ‏:‏ وما تدعو إليه ‏؟‏ قلت‏ :‏ أدعو إلى الله وحده لا شريك له ، وتخلع ما عبد من دونه ، وتشهد أن محمداً عبده ورسوله ‏.‏ قال ‏:‏ يا عمرو ، إنك ابن سيد قومك فكيف صنع أبوك ‏؟‏ فإن لنا فيه قدوة‏ .‏ قلت ‏:‏ مات ولم يؤمن بمحمد ، ووددت أنه كان أسلم وصدق به ، وقد كنت أنا على مثل رأيه حتى هداني الله للإسلام ‏.‏ قال‏ :‏ فمتى تبعته ‏؟‏ قلت ‏:‏ قريباً .‏ فسألني أين كان إسلامك ‏؟‏ قلت ‏:‏ عند النجاشي ، وأخبرته أن النجاشي قد أسلم ‏.‏ قال‏ :‏ وكيف صنع قومه بملكه ‏؟‏ فقلت‏ :‏ أقروه واتبعوه ‏.‏ قال ‏:‏ والأساقفة والرهبان تبعوه ‏؟‏ قلت‏ :‏ نعم ‏.‏ قال ‏:‏ انظر يا عمرو ما تقول ، إنه ليس من خصلة في رجل أفضح له من الكذب ‏.‏ قلت‏ :‏ ما كذبت ، وما نستحله في ديننا ، ثم قال ‏:‏ ما أرى هرقل علم بإسلام النجاشي ‏. ‏قلت :‏ بلى ، قال ‏:‏ فبأي شيء علمت ذلك ‏؟‏ قلت ‏:‏ كان النجاشي يخرج له خرجاً ، فلما أسلم وصدق بمحمد ، قال‏ :‏ لا والله لو سألني درهما واحداً ما أعطيته ، فبلغ هرقل قوله ، فقال له النياق أخوه ‏:‏ أتدع عبدك لا يخرج لك خرجاً ، ويدين بدين غيرك ديناً محدثاً‏ ؟‏ قال هرقل ‏:‏ رجل رغب في دين ، فاختاره لنفسه ، ما أصنع به‏ ؟‏ والله لولا الضن بملكي لصنعت كما صنع ‏.‏ قال‏ :‏ انظر ما تقول يا عمرو ‏؟‏ قلت ‏:‏ والله صدقتك ‏.‏

   قال عبد ‏:‏ فأخبرني ما الذي يأمر به وينهي عنه‏ ؟‏ قلت‏ :‏ يأمر بطاعة الله عز وجل وينهي عن معصيته ، ويأمر بالبر وصلة الرحم ، وينهي عن الظلم والعدوان ، وعن الزنا ، وعن الخمر ، وعن عبادة الحجر والوثن والصليب ‏.‏ قال ‏:‏ ما أحسن هذا الذي يدعو إليه ، لو كان أخي يتابعني عليه لركبنا حتى نؤمن بمحمد ونصدق به ، ولكن أخي أضن بملكه من أن يدعه ويصير ذنباً‏ .‏ قلت‏ :‏ إنه إن أسلم مَلَّكَهُ رسول الله على قومه ، فأخذ الصدقة من غنيهم فيردها على فقيرهم ‏.‏ قال ‏:‏ إن هذا لخلق حسن‏ .‏ وما الصدقة ‏؟‏ فأخبرته بما فرض رسول الله في الصدقات في الأموال ، حتى انتهيت إلى الإبل ‏.‏ قال‏ :‏ يا عمرو ، وتؤخذ من سوائم مواشينا التي ترعى الشجر وترد المياه ‏؟‏ فقلت ‏:‏ نعم، فقال ‏:‏ والله ما أرى قومي في بعد دارهم وكثرة عددهم يطيعون لهذا‏ .‏

   قال ‏:‏ فمكثت ببابه أياماً ، وهو يصل إلى أخيه فيخبره كل خبري ، ثم إنه دعاني يوماً فدخلت عليه ، فأخذ أعوانه بضبعي فقال ‏:‏ دعوه ، فأرسلت فذهبت لأجلس ، فأبوا أن يدعوني أجلس ، فنظرت إليه فقال ‏:‏ تكلم بحاجتك ، فدفعت إليه الكتاب مختوماً ، ففض خاتمه ، وقرأ حتى انتهى إلى آخره ، ثم دفعه إلى أخيه فقرأه مثل قراءته ، إلا أني رأيت أخاه أرق منه ، قال ‏:‏ ألا تخبرني عن قريش كيف صنعت ‏؟‏ فقلت ‏:‏ تبعوه ، إما راغب في الدين ، وإما مقهور بالسيف ‏.‏ قال ‏:‏ ومن معه‏ ؟‏ قلت ‏:‏ الناس قد رغبوا في الإسلام واختاروه على غيره ، وعرفوا بعقولهم مع هدي الله إياهم أنهم كانوا في ضلال ، فما أعلم أحداً بقي غيرك في هذه الحَرجَة ، وأنت إن لم تسلم اليوم وتبعته توطئك الخيل وتبيد خضراءك ، فأسلم تسلم ، ويستعملك على قومك ، ولا تدخل عليك الخيل والرجال ، قال‏ :‏ دعني يومي هذا ، وارجع إلى غداً‏ .‏

   فرجعت إلى أخيه فقال ‏:‏ يا عمرو ، إني لأرجو أن يسلم إن لم يَضِنَّ بملكه ، حتى إذا كان الغد أتيت إليه ، فأبى أن يأذن لي ‏.‏ فانصرفت إلى أخيه ، فأخبرته أني لم أصل إليه ، فأوصلني إليه ، فقال‏ :‏ إني فكرت فيما دعوتني إليه ، فإذا أنا أضعف العرب إن ملكت رجلاً ما في يدي ، وهو لا تبلغ خيله هاهنا ، وإن بلغت خيله لقيت قتالاً ليس كقتال من لاقى ‏.‏ قلت‏ :‏ أنا خارج غداً ، فلما أيقن بمخرجي خلا به أخوه فقال ‏:‏ ما نحن فيما ظهر عليه ، وكل من أرسل إليه قد أجابه ، فأصبح فأرسل إلى ، فأجاب إلى الإسلام هو وأخوه جميعاً ، وصدقا النبي ، وخليا بيني وبين الصدقة ، وبين الحكم فيما بينهم ، وكانا لي عوناً على من خالفني ‏.‏

   وسياق هذه القصة تدل على أن إرسال الكتاب إليهما تأخر كثيراً عن كتب بقية الملوك ، والأغلب أنه كان بعد الفتح‏ .‏

   وبهذه الكتب كان النبي قد أبلغ دعوته إلى أكثر ملوك الأرض ، فمنهم من آمن به ومنهم من كـفر ، ولكن شغل فكره هؤلاء الكافرين ، وعرف لديهم باسمه ودينه‏ .‏

جميع الحقوق محفوظة لكل مسلم®