|
مكاتبة الملوك
والأمراء - الكتاب إلى النجاشي
ملك الحبشة |
وهذا النجاشي اسمه
أصْحَمَة بن الأبْجَر ، كتب إليه النبي
مع عمرو بن أمية الضَّمْرِي في آخر سنة ست أو في المحرم سنة سبع من
الهجرة . وقد ذكر الطبري نص الكتاب ، ولكن النظر الدقيق في ذلك
النص ، يفيد أنه ليس بنص الكتاب الذي كتبه
بعد الحديبية ، بل لعله نص كتاب بعثه مع جعفر حين خرج هو وأصحابه
مهاجرين إلى الحبشة في العهد المكي ، فقد ورد في آخر الكتاب ذكر
هؤلاء المهاجرين بهذا اللفظ : ( وقد بعثت إليكم ابن عمي جعفراً
ومعه نفر من المسلمين ، فإذا جاءك فأقرهم ودع التجبر ) .
وروى البيهقي عن ابن
إسحاق نص كتاب كتبه النبي
إلى النجاشي ، وهو هذا :
هذا كتاب من محمد النبي إلى النجاشي ، الأصحم عظيم الحبشة ، سلام
على من اتبع الهدى ، وآمن بالله ورسوله، وأشهد أن لا إله إلا الله
وحده لا شريك له ، لم يتخذ صاحبه ولا ولداً ، وأن محمدًا عبده
ورسوله ، وأدعوك بدعاية الإسلام ، فإني أنا رسوله فأسلم تسلم ،
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى
كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ
اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا
بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ
فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ
فإن أبيت فعليك إثم النصارى من قومك
.
وقد أورد المحقق
الكبير الدكتور حميد الله ( باريس ) نص كتاب قد عثر عليه في الماضي
القريب ـ بمثل ما أورده ابن القيم مع الاختلاف في كلمة فقط ـ وبذل
الدكتور في تحقيق ذلك النص جهداً بليغاً ، واستعان في ذلك كثيراً
باكتشافات العصر الحديث ، وأورد صورته في الكتاب وهو هكذا :
|
بسم الله الرحمن
الرحيم
من محمد رسول
الله إلى النجاشي عظيم الحبشة ، سلام على من اتبع الهدى ،
أما بعد :
فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن
المهيمن ، وأشهد أن عيسى بن مريم روح الله وكلمته ألقاها
إلى مريم البتول الطيبة الحصينة ، فحملت بعيسي من روحه
ونفخه ، كما خلق آدم بيده ، وإني أدعو إلى الله وحده لا
شريك له ، والموالاة على طاعته ، وأن تتبعني ، وتؤمن بالذي
جاءني ، فإني رسول الله
، وإني أدعوك وجنودك إلى الله عز وجل ، وقد بلغت ونصحت ،
فاقبل نصيحتى ، والسلام على من اتبع الهدى .
|
وأكد الدكتور
المحترم أن هذا هو نص الكتاب الذي كتبه النبي
إلى النجاشي بعد الحديبية ، أما صحة هذا النص فلا شك فيها بعد
النظر في الدلائل ، وأما أن هذا الكتاب هو الذي كتب بعد الحديبية
فلا دليل عليه ، والذي أورد البيهقي عن ابن إسحاق أشبه بالكتب التي
كتبها النبي
إلى ملوك وأمراء النصارى بعد الحديبية ، فإن فيه الآية الكريمة :
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى
كَلَمَةٍ
إلخ ، كما كان دأبه في تلك الكتب ، وقد ورد فيه اسم الأصحمة صريحاً
، وأما النص الذي أورده الدكتور حميد الله ، فالأغلب أنه نص الكتاب
الذي كتبه النبي
بعد موت أصحمة إلى خليفته ، ولعل هذا هو السبب في ترك الاسم .
وهذا الترتيب ليس
عليه دليل قطعي سوى الشهادات الداخلية التي تؤديها نصوص هذه الكتب
. والعجب من الدكتور حميد الله أنه جزم بأن النص الذي أورده
البيهقي عن ابن عباس هو نص الكتاب الذي كتبه النبي
بعد موت أصحمة إلى خليفته مع أن اسم أصحمة وارد في هذا النص صريحاً
، والعلم عند الله .
ولما بلغ عمرو بن
أمية الضمري كتاب النبي
إلى النجاشي أخذه النجاشي ، ووضعه على عينه ، ونزل عن سريره على
الأرض ، وأسلم على يد جعفر بن أبي طالب ، وكتب إلى النبي
بذلك ، وهاك نصه :
|
بسم الله الرحمن
الرحيم
إلى محمد رسول
الله من النجاشي أصحمة ، سلام عليك يا نبي الله من الله
ورحمة الله وبركاته ، الله الذي لا إله إلا هو ، أما بعد
:
فقد بلغني كتابك يا رسول الله فيما ذكرت من أمر عيسى ، فورب السماء
والأرض إن عيسى لا يزيد على ما ذكرت ثُفْرُوقاً ، إنه كما
قلت ، وقد عرفنا ما بعثت به إلينا ، وقد قرينا ابن عمك
وأصحابك ، فأشهد أنك رسول الله صادقاً مصدقاً ، وقد بايعتك
، وبايعت ابن عمك ، وأسلمت على يديه لله رب العالمين .
|
وكان النبي
قد طلب من النجاشي أن يرسل جعفراً ومن معه من مهاجري الحبشة ،
فأرسلهم في سفينتين مع عمرو بن أمية الضمري ، فقدم بهم على النبي
وهو بخيبر .
وتوفي النجاشي هذا
في رجب سنة تسع من الهجرة بعد تبوك ، ونعاه النبي
يوم وفاته ، وصلى عليه صلاة الغائب ، ولما مات وتخلف على عرشه ملك
آخر كتب إليه النبي
كتاباً آخر ، ولا يدري هل أسلم أم لا ؟ .