|
غزوة بني المصلق أو غزوة
المريسيع ( في شعبان سنة 6 هـ ) - دور
المنافقين قبل الغزوة |
قدمنا مراراً أن عبد
الله بن أبي كان يَحْنَقُ على الإسلام والمسلمين ، ولاسيما على
رسول الله
حَنَقًا شديداً ، لأن الأوس والخزرج كانوا قد اتفقوا على سيادته ،
وكانوا ينظمون له الخَرَزَ ليتوجوه إذ دخل فيهم الإسلام ، فصرفهم
عن ابن أبي ، فكان يرى أن رسول الله
هو الذي استلبه ملكه .
وقد ظهر حنقه هذا
وتحرقه منذ بداية الهجرة قبل أن يتظاهر بالإسلام، وبعد أن تظاهر به
.
ركب رسول الله
مرة على حمار ليعود سعد بن عبادة ، فمر بمجلس فيه عبد الله بن أبي
فخَمَّرَ ابن أبي أنفه ، وقال : لا تُغَبِّرُوا علينا . ولما
تلا رسول الله
على المجلس القرآن ، قال : اجلس في بيتك ، ولا تغشنا في مجلسنا
.
وهذا قبل أن يتظاهر
بالإسلام ، ولما تظاهر به بعد بدر لم يزل إلا عدوًا لله ولرسوله
وللمؤمنين ، ولم يكن يفكر إلا في تشتيت المجتمع الإسلامي وتوهين
كلمة الإسلام ، وكان يوالي أعداءه ، وقد تدخل في أمر بني قينقاع
، وكذلك جاء في غزوة أحد من الشر والغدر والتفريق بين المسلمين ،
وإثارة الارتباك والفوضى في صفوفهم بما مضى .
وكان من شدة مكر هذا
المنافق وخداعه بالمؤمنين أنه كان بعد التظاهر بالإسلام ، يقوم كل
جمعة حين يجلس رسول الله
للخطبة ، فيقول : هذا رسول الله
بين أظهركم ، أكرمكم الله وأعزكم به ، فانصروه وعزروه ، واسمعـوا
لــه وأطيعوا ، ثم يجلس ، فيقوم رسول الله
ويخطب . وكان من وقاحة هذا المنافق أنه قام في يوم الجمعة التي
بعد أحد ـ مع ما ارتكبه من الشر والغدر الشنيع ـ قام ليقول ما كان
يقوله من قبل ، فأخذ المسلمون بثيابه من نواحيه ، وقالوا له :
اجلس أي عدو الله ، لست لذلك بأهل وقد صنعت ما صنعت ، فخرج يتخطى
رقاب الناس ، وهو يقول : والله لكأنما قلت بُجْرًا أن قمت أشدد
أمره ، فلقيه رجل من الأنصار بباب المسجد فقال: ويلك ، ارجع
يستغفر لك رسول الله
، قال : والله ما أبتغي أن يستغفر لي .
وكانت له اتصالات
ببني النضير يؤامر معهم ضد المسلمين حتى قال لهم : لئن أخرجتم
لنخرجن معكم ، ولئن قوتلتم لننصرنكم .
وكذلك فعل هو
وأصحابه في غزوة الأحزاب من إثارة القلق والاضطراب وإلقاء الرعب
والدهشة في قلوب المؤمنين ما قصه الله تعالى في سورة الأحزاب :
وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ
وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ
وَرَسُولُهُ إِلا غُرُورًا
إلى قوله :
يَحْسَبُونَ الأحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِن يَأْتِ الأَحْزَابُ
يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُم بَادُونَ فِي الأعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ
أَنبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُم مَّا قَاتَلُوا إِلا قَلِيلاً
[الأحزاب: 12: 20] .
بيد أن جميع أعداء
الإسلام من اليهود والمنافقين والمشركين كانوا يعرفون جيداً أن سبب
غلبة الإسلام ليس هو التفوق المادي وكثرة السلاح والجيوش والعدد ،
وإنما السبب هي القيم والأخلاق والمثل التي يتمتع بها المجتمع
الإسلامي وكل من يمت بصلة إلى هذا الدين ، وكانوا يعرفون أن منبع
هذا الفيض إنما هو رسول الله
الذي هو المثل الأعلى ـ إلى حد الإعجاز ـ لهذه القيم .
كما عرفوا بعد إدارة
دفة الحروب طيلة خمس سنين ، أن القضاء على هذا الدين وأهله لا يمكن
عن طريق استخدام السلاح ، فقرروا أن يشنوا حرباً دعائية واسعة ضد
الدين من ناحية الأخلاق والتقاليد ، وأن يجعلوا شخصية الرسول
أول هدف لهذه الدعاية . ولما كان المنافقون هم الطابور الخامس في
صفوف المسلمين ، ولكونهم سكان المدينة ، كان يمكن لهم الاتصال
بالمسلمين واستفزاز مشاعرهم كل حين . تحمل فريضة الدعاية هؤلاء
المنافقون ، وعلى رأسهم ابن أبي .
وقد ظهرت خطتهم هذه
جلية حينما تزوج رسول الله
بأم المؤمنين زينب بنت جحش ، بعد أن طلقها زيد بن حارثة ، فقد كان
من تقاليد العرب أنهم كانوا يعتبرون المتبني مثل الابن الصلبي ،
فكانوا يعتقدون حرمة حليلة المتبني على الرجل الذي تبناه ، فلما
تزوج النبي
بزينب وجد المنافقون ثُلْمَتَيْن ـ حسب زعمهم ـ لإثارة المشاغب ضد
النبي
.
الأولى : أن زوجته هذه كانت زوجة خامسة ، والقرآن لم يكن
أذن في الزواج بأكثر من أربع نسوة ، فكيف صح له هذا الزواج؟
الثانية : أن زينب كانت زوجة ابنه ـ مُتَبَنَّاه ـ
فالزواج بها من أكبر الكبائر ، حسب تقاليد العرب . وأكثروا من
الدعاية في هذا السبيل ، واختلقوا قصصاً وأساطير، قالوا: إن
محمداً رآها بغتة ، فتأثر بحسنها وشغفته حباً ، وعلقت بقلبه ، وعلم
بذلك ابنه زيد فخلى سبيلها لمحمد ، وقد نشروا هذه الدعاية المختلقة
نشراً بقيت آثاره في كتب التفسير والحديث إلى هذا الزمان ، وقد
أثرت تلك الدعاية أثراً قوياً في صفوف الضعفاء حتى نزل القرآن
بالآيات البينات فيها شفاء لما في الصدور ، وينبئ عن سعة نشر هذه
الدعاية أن الله استفتح سورة الأحزاب بقوله :
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ
الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا
حَكِيمًا
[الأحزاب: 1] .
وهذه إشارات عابرة ،
وصور مصغرة لما اقترفه المنافقون قبل غزوة بني المصطلق ، وكان
النبي
يكابد كل ذلك بالصبر واللين والتلطف ، وكان عامة المسلمين يحترزون
عن شرهم ، أو يتحملونه بالصبر ، إذ كانوا قد عرفوهم بافتضاحهم مرة
بعد أخرى حسب قوله تعالى :
أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ
فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ
وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ
[التوبة :126] .