|
معركة مؤتة -
بداية القتال وتناوب القواد |
وهناك في مؤتة التقى
الفريقان ، وبدأ القتال المرير
، ثلاثة آلاف رجل يواجهون هجمات مائتي ألف مقاتل . معركة
عجيبة تشاهدها الدنيا بالدهشة والحيرة ، ولكن إذا هبت ريح الإيمان
جاءت بالعجائب .
أخذ الراية زيد بن
حارثة ـ حِبُّ رسول الله
ـ وجعل يقاتل بضراوة بالغة ، وبسالة لا يوجد لها نظير إلا في
أمثاله من أبطال الإسلام ، فلم يزل يقاتل ويقاتل حتى شاط في رماح
القوم ، وخر صريعاً .
وحينئذ أخذ الراية
جعفر بن أبي طالب ، وطفق يقاتل قتالاً منقطع النظير ، حتى إذا
أرهقه القتال اقتحم عن فرسه الشقراء فعقرها ، ثم قاتل حتى قطعت
يمينه ، فأخذ الراية بشماله ، ولم يزل بها حتى قطعت شماله ،
فاحتضنها بعضديه ، فلم يزل رافعاً إياها حتى قتل . يقال : إن
رومياً ضربه ضربةً قطعته نصفين ، وأثابه الله بجناحيه جناحين في
الجنة ، يطير بهما حيث يشاء ، ولذلك سمي بجعفر الطيار ، وبجعفر ذي
الجناحين .
روى البخاري عن نافع
، أن ابن عمر أخبره : أنه وقف على جعفر يؤمئذ وهو قتيل ، فعددت
به خمسين بين طعنة وضربة ، ليس منها شيء في دبره ، يعني ظهره .
وفي رواية أخرى قال
ابن عمر : كنت فيهم في تلك الغزوة ، فالتمسنا جعفر بن أبي طالب
فوجدناه في القتلى ، ووجدنا ما في جسده بضعاً وتسعين من طعنة
ورمية . وفي رواية العمري عن نافع زيادة : [ فوجدنا ذلك فيما
أقبل من جسده ] .
ولما قتل جعفر بعد
أن قاتل بمثل هذه الضراوة والبسالة ، أخذ الراية عبد الله بن رواحة
، وتقدم بها ، وهو على فرسه ، فجعل يستنزل نفسه ، ويتردد بعض
التردد ، حتى حاد حيدة ثم قال :
أقسـمت يـا نفس
لتـنزلنه
إن أجلب الناس وشدوا الرنه |
|
كارهة أو
لتـطـاوعنـه
مالي أراك تكرهين الجنه |
ثم نزل ، فأتاه ابن
عم له بعَرْق من لحم فقال : شد بهذا صلبك ، فإنك قد لقيت في
أيامك هذه ما لقيت ، فأخذه من يده فانتهس منه نَهْسَة ، ثم ألقاه
من يده ، ثم أخذ سيفه فتقدم ، فقاتل حتى قتل .