الحياة في المدينة
 

 

    المرحلة الأولى

الحالة الراهنة في المدينة عند الهجرة

بناء مجتمع جديد

بناء المسجد النبوي

المؤاخاة بين المسلمين

ميثاق التحالف الإسلامي

أثر المعنويات في المجتمع

معاهدة مع اليهود

 

 

 

الحياة في المدينة - أثر المعنويات في المجتمع

  بهذه الحكمة وبهذه الحذاقة أرسى رسول الله قواعد مجتمع جديد ولكن كانت هذه الظاهرة أثراً للمعاني التي كان يتمتع بها أولئك الأمجاد بفضل صحبة النبي وكان النبي يتعهدهم بالتعليم والتربية وتزكية النفوس والحث على مكارم الأخلاق ويؤدبهم بآداب الود والإخاء والمجد والشرف والعبادة والطاعة .

   سأله رجل : أيُّ الإسلام خير ؟ قال : تطعم الطعام ، وتقرئ السلام على من عرفت ومن لم تعرف .

   قال عبد الله بن سلام : لما قدم النبي المدينة جئت فلما تبينت وجهه ، عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب ، فكان أول ما قال : يا أيها الناس أفشوا السلام ، وأطعموا الطعام ، وصلوا الأرحام ، وصلوا بالليل والناس نيام ، تدخلوا الجنة بسلام .

   وكان يقول : لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه .
   ويقول : المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده .
   ويقول : المؤمنون كرجل واحد ، إن اشتكى عينه اشتكى كله ، وإن اشتكى رأسه اشتكى كله .
   ويقول : المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً .
   ويقول : لا تباغضوا ، ولا تحاسدوا ، ولا تدابروا ، وكونوا عباد الله إخواناً ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاة فوق ثلاثة أيام .
   ويقول : المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة ، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيــامة .
   ويقول : ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء .
   ويقول : ليس المؤمن بالذي يشبع وجاره جائع إلى جانبه .
   ويقول : سباب المؤمن فسوق ، وقتاله كفر .
   وكان يجعل : إماطة الأذى عن الطريق صدقة ، ويعدها شعبة من شعب الإيمان .
   وكان يحثهم على الإنفاق ويذكر من فضائله ما تتقاذف إليه القلوب ، فكان يقول : الصدقة تطفئ الخطايا كما يطفئ الماء النار .
   ويقول أيما مسلم كسا مسلماً ثوباً على عري ، كساه الله من خضر الجنة ، وأيما مسلم أطعم مسلماً على جوع أطعمه الله من ثمار الجنة ، وأيما مسلم سقا مسلماً على ظمأ سقاه الله من الرحيق المختوم .
   ويقول : اتقوا النار ولو بشق تمرة ، فإن لم تجدوا فبكلمة طيبة .

   وبجانب هذا كان يحث حثاً شديداً على الاستعفاف عن المسألة ، ويذكر من فضائل الصبر والقناعة كان يعد المسألة كدوحاً أو خدوشاً أو خموشاً في وجه السائل . اللهم إلا إذا كان مضطراً كما كان يحدث لهم بما في العبادات من الفضائل والأجر والثواب عند الله ، وكان يربطهم بالوحي النازل عليه من السماء ربطاً موثقاً يقرؤه عليهم ، ويقرؤونه ، لتكون هذه الدراسة إشعاراً بما عليهم من حقوق الدعوة وتبعات الرسالة ، فضلاً عن ضرورة الفهم والتدبر .

   وهكذا رفع معنوياتهم ومواهبهم ، وزودهم بأعلى القيم والأقدار والمثل ، حتى صاروا صورة لأعلى قمة من الكمال عرفت في تاريخ البشر بعد الأنبياء .

   يقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : من كان مستنا فليستن بمن قد مات ، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة ، أولئك أصحاب محمد ، كانوا أفضل هذه الأمة ، أبرها قلوباً ، وأعمقها علماً ، وأقلها تكلفاً أختارهم الله لصحبة نبيه ولإقامة دينه ، فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم على أثرهم وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم وسيرهم ، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم .

   ثم إن هذا الرسول القائد الأعظم كان يتمتع من الصفات المعنوية والظاهرة ومن الكمالات والمواهب والأمجاد والفضائل ومكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال ، بما جعلته تهوى إليه الأفئدة ، وتتفانى عليه النفوس ، فما يتكلم بكلمة إلا ويبادر صحابته _ رضي الله عنهم _ إلى امتثالها وما يأتي برشد وتوجيه إلا ويتسابقون إلى التحلي به .

   بمثل هذا استطاع النبي أن يبني في المدينة مجتمعاً جديداً أروع وأشرف مجتمع عرفه التاريخ ، وأن يضع لمشاكل هذا المجتمع حلاً تتنفس له الإنسانية الصعداء ، بعد أن كانت تعبت في غياهب الزمان ودياجير الظلمات .

   وبمثل هذه المعنويات الشامخة تكاملت عناصر المجتمع الجديد الذي واجه كل تيارات الزمان حتى صرف وجهتها ، وحول مجرى التاريخ والأيام .

جميع الحقوق محفوظة لكل مسلم®