الحياة في المدينة
 

 

    المرحلة الأولى

الحالة الراهنة في المدينة عند الهجرة

بناء مجتمع جديد

بناء المسجد النبوي

المؤاخاة بين المسلمين

ميثاق التحالف الإسلامي

أثر المعنويات في المجتمع

معاهدة مع اليهود

 

 

 

الحياة في المدينة - المؤاخاة بين المسلمين

   وكما قام النبي ( ببناء المسجد ) مركز التجمع والتآلف ،قام بعمل آخر من أروع ما يأثره التاريخ ، وهو عمل المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار . قال ابن القيم : ثم آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار في دار أنس بن مالك ، وكانوا تسعين رجلاً نصفهم من المهاجرين ونصفهم من الأنصار ، آخى بينهم على المواساة ، ويتوارثون بعد الموت دون ذوي الأرحام إلى حين وقعة بدر ، فلما أنزل الله عز وجل وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض _ رد التوارث دون عقد الأخوة .

   وقد قيل إنه آخى بين المهاجرين بعضهم مع بعض مؤاخاة ثانية ... والثبت الأول والمهاجرون كانوا مستغنين بأخوة الإسلام وأخوة الدار وقرابة النسب عن عقد مؤاخاة بخلاف المهاجرين مع الأنصار .

   ومعنى هذا الإخاء _ كما قال محمد الغزالي _ أن تذوب عصبيات الجاهلية ، فلا حمية إلا للإسلام وأن تسقط فوارق النسب واللون والوطن ، فلا يتقدم أحد أو يتأخر إلا بمروءته وتقواه .

   وقد جعل الرسول هذه الأخوة عقداً نافذاً ، لا لفظاً فارغاً ، وعملاً يرتبط بالدماء ، والأموال ، لا تحية تثرثر بها الألسنة ولا يقوم لها أثر .

   وكانت عواطف الإيثار والمواساة والمؤانسة تمتزج في هذه الأخوة وتملأ المجتمع الجديد بأروع الأمثال .

   فقد روى البخاري أنهم لما قدموا المدينة آخى رسول الله بين عبد الرحمن وسعد ابن الربيع ، فقال لعبد الرحمن : إني أكثر الأنصار مالاً ، فاقسم مالي . نصفين ، ولي امرأتان ، فانظر أعجبهما إليك فسمها لي ، أطلقها ، فإذا انقضت عدتها فتزوجها ،قال : بارك الله لك في أهلك ومالك ، وأين سوقكم ؟ فدلوه على سوق بني قينقاع ، فما انقلب إلا ومعه فضل من أقط وسمن ثم تابع الغدو ، ثم جاء يوماً وبه أثر صفرة ، فقال النبي : مهيم ؟ قال : تزوجت . قال : كم سقت إليها ؟ قال : نواة من ذهب .

   وروى عن أبي هريرة قال : قالت الأنصار للنبي : اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل . قال : لا . فقالوا : فتكفونا المؤنة ، ونشر ككم في الثمرة . قالوا سمعنا وأطعنا.

   وهذا يدلنا على ما كان عليه الأنصار من الحفاوة البالغة بإخوانهم المهاجرين ، ومن التضحية والإيثار والود والصفاء ، وما كان عليه المهاجرون من تقدير هذا الكرم حق قدره ، فلم يستغلوه ولم ينالوا منه إلا بقدر ما يقيم أودهم .

   وحقاً فقد كانت هذه المؤاخاة حكمة فذة ، وسياسة صائبة حكيمة ، وحلاً رائعاً لكثير من المشاكل التي كان يواجهها المسلمون ، والتي أشرنا إليها .

جميع الحقوق محفوظة لكل مسلم®