|
الحياة في
المدينة -
المؤاخاة بين المسلمين |
وكما قام النبي
( ببناء المسجد ) مركز التجمع والتآلف ،قام بعمل آخر من أروع ما يأثره التاريخ ، وهو عمل المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار . قال
ابن القيم : ثم آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين
والأنصار في دار أنس بن مالك ، وكانوا تسعين رجلاً نصفهم من
المهاجرين ونصفهم من الأنصار ، آخى بينهم على المواساة ، ويتوارثون
بعد الموت دون ذوي الأرحام إلى حين وقعة بدر ، فلما أنزل الله عز
وجل
وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض
_ رد التوارث دون عقد الأخوة .
وقد قيل إنه آخى بين المهاجرين
بعضهم مع بعض مؤاخاة ثانية ... والثبت الأول والمهاجرون كانوا
مستغنين بأخوة الإسلام وأخوة الدار وقرابة النسب عن عقد مؤاخاة
بخلاف المهاجرين مع الأنصار .
ومعنى هذا الإخاء _ كما قال
محمد الغزالي _ أن تذوب عصبيات الجاهلية ، فلا حمية إلا للإسلام
وأن تسقط فوارق النسب واللون والوطن ، فلا يتقدم أحد أو يتأخر إلا
بمروءته وتقواه .
وقد جعل الرسول
هذه الأخوة عقداً نافذاً ، لا لفظاً فارغاً ، وعملاً يرتبط بالدماء
، والأموال ، لا تحية تثرثر بها الألسنة ولا يقوم لها أثر .
وكانت عواطف الإيثار والمواساة
والمؤانسة تمتزج في هذه الأخوة وتملأ المجتمع الجديد بأروع الأمثال
.
فقد روى البخاري أنهم لما
قدموا المدينة آخى رسول الله
بين عبد الرحمن وسعد ابن الربيع ، فقال لعبد الرحمن : إني أكثر
الأنصار مالاً ، فاقسم مالي . نصفين ، ولي امرأتان ، فانظر أعجبهما
إليك فسمها لي ، أطلقها ، فإذا انقضت عدتها فتزوجها ،قال : بارك
الله لك في أهلك ومالك ، وأين سوقكم ؟ فدلوه على سوق بني قينقاع ،
فما انقلب إلا ومعه فضل من أقط وسمن ثم تابع الغدو ، ثم جاء يوماً
وبه أثر صفرة ، فقال النبي
: مهيم ؟ قال : تزوجت . قال : كم سقت إليها ؟ قال : نواة من ذهب .
وروى عن أبي هريرة قال : قالت
الأنصار للنبي
: اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل . قال : لا . فقالوا : فتكفونا
المؤنة ، ونشر ككم في الثمرة . قالوا سمعنا وأطعنا.
وهذا يدلنا على ما كان عليه
الأنصار من الحفاوة البالغة بإخوانهم المهاجرين ، ومن التضحية
والإيثار والود والصفاء ، وما كان عليه المهاجرون من تقدير هذا
الكرم حق قدره ، فلم يستغلوه ولم ينالوا منه إلا بقدر ما يقيم
أودهم .
وحقاً فقد كانت هذه المؤاخاة
حكمة فذة ، وسياسة صائبة حكيمة ، وحلاً رائعاً لكثير من المشاكل
التي كان يواجهها المسلمون ، والتي أشرنا إليها .