|
وقعة الحديبية ( في ذي القعدة سنة 6 هـ
) - ماذا يتمخض عن بنود المعاهدة |
هذا هو صلح الحديبية ، ومن سبر
أغوار بنوده مع خلفياته لا يشك أنه فتح عظيم للمسلمين
، فقريش لم تكن تعترف بالمسلمين أي اعتراف
، بل كانت تهـدف استئصـال شأفتهم
، وتنتظر أن تشهد يوماً ما نهايتهم ،
وكانت تحاول بأقصى قوتها الحيلولة بين الدعوة الإسلامية وبين الناس
، بصفتها ممثلة الزعامة الدينية والصدارة الدنيوية في جزيرة العرب
، ومجرد الجنوح إلى الصلح اعتراف بقوة المسلمين ، وأن قريشاً لا
تقدر على مقاومتهم ، ثم البند الثالث يدل بفحواه على أن قريشاً
نسيت صدارتها الدنيوية وزعامتها الدينية ، وأنها لاتهمها الآن إلا
نفسها ، أما سائر الناس وبقية جزيرة العرب فلو دخلت في الإسلام بأجمعها ، فلا يهم ذلك قريشاً ، ولا تتدخل في ذلك بأي نوع من أنواع
التدخل . أليس هذا فشلاً ذريعاً بالنسبة إلى قريش ؟ وفتحا
مبيناً بالنسبة إلى المسلمين ؟ إن الحروب الدامية التي جرت بين
المسلمين وبين أعدائهم لم تكن أهدافها ـ بالنسبة إلى المسلمين ـ
مصادرة الأموال وإبادة الأرواح ، وإفناء الناس ، أو إكراه العدو
على اعتناق الإسلام ، وإنما كان الهدف الوحيد الذي يهدفه المسلمون
من هذه الحروب هو الحرية الكاملة للناس فـي العقيدة والدين
فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء
فَلْيَكْفُر
[ الكهف : 29 ] . لا يحول بينهم وبين ما يريدون أي قوة من
القوات ، وقد حصل هذا الهدف بجميع أجزائه ولوازمه ، وبطريق ربما لا
يحصل بمثله في الحروب مع الفتح المبين ، وقد كسب المسلمون لأجل هذه
الحرية نجاحاً كبيراً في الدعوة ، فبينما كان عدد المسلمين لا يزيد
على ثلاثة آلاف قبل الهدنة صار عدد الجيش الإسلامي في سنتين عند
فتح مكة عشرة آلاف .
أما البند الثاني
فهو جزء ثان لهذا الفتح المبين ، فالمسلمون لم يكونوا بادئين
بالحروب ، وإنما بدأتها قريش ، يقول الله تعالى :
وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ
[ التوبة : 13 ] ، أما المسلمون فلم يكن المقصود من دورياتهم
العسكرية إلا أن تفيق قريش عن غطرستها وصدها عن سبيل الله ، وتعمل
معهم بالمساواة ، كل من الفريقين يعمل على شاكلته ، فالعقد بوضع
الحرب عشر سنين حد لهذه الغطرسة والصد ، ودليل على فشل من بدأ
بالحرب وعلى ضعفه وانهياره .
أما البند الأول فهو
حد لصد قريش عن المسجد الحرام ، فهو أيضاً فشل لقريش ، وليس فيه ما
يشفي قريشاً سوي أنها نجحت في الصد لذلك العام الواحد فقط .
أعطت قريش هذه
الخلال الثلاث للمسلمين ، وحصلت بإزائها خلة واحدة فقط ، وهي ما في
البند الرابــع ، ولـكن تلك الخلة تافهة جداً ، ليس فيها شيء يضر
بالمسلمين ، فمعلوم أن المسلم ما دام مسلماً لا يفر عن الله ورسوله
، وعن مدينة الإسلام ، ولا يفر إلا إذا ارتد عن الإسلام ظاهراً أو
باطناً ، فإذا ارتد فلا حاجة إليه للمسلمين ، وانفصاله من المجتمع
الإسلامي خير من بقائه فيه ، وهذا الذي أشار إليه رسول الله
بقوله : ( إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله ) . وأما من
أسلم من أهل مكة فهو وإن لم يبق للجوئه إلى المدينة سبيل لكن أرض
الله واسعة ، ألم تكن الحبشة واسعة للمسلمين حينما لم يكن يعرف أهل
المدينة عن الإسلام شيئاً ؟ وهذا الذي أشار إليه النبي بقوله :
( ومن جاءنا منهم سيجعل الله له فرجاً ومخرجاً ) .
والأخذ بمثل هذا
الاحتفاظ ، وإن كان مظهر الاعتزاز لقريش ، لكنه في الحقيقة ينبئ عن
شدة انزعاج قريش وهلعهم وخَوَرِهم ، وعن شدة خوفهم على كيانهم
الوثني ، وكأنهم كانوا قد أحسوا أن كيانهم اليوم على شفا جُرُف هار
لا بد له من الأخذ بمثل هذا الاحتفاظ . وما سمح به النبي
من أنه لا يسترد من فرّ إلى قريش من المسلمين ، فليس هذا إلا
دليلاً على أنه يعتمد على تثبيت كيانه وقوته كمال الاعتماد ، ولا
يخاف عليه من مثل هذا الشرط .