وحينئذ أصدر إلى
جيشه أوامره الأخيرة بالهجمة المضادة فقال :
شدوا
، وحرضهم على القتال ، قائلاً :
والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل
فيقتل صابراً محتسباً مقبلاً غير مدبر إلا أدخله الله الجنة
وقال وهو يحضهم على القتال :
قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض
، ( وحينئذ ) قال العمير بن الحمام : بخ بخ ، فقال رسول الله
: ما يحملك على قولك : بخ بخ ؟ قال : لا ، والله يا رسول الله إلا
رجاء أن أكون من أهلها ، قال : فإنك من أهلها . فأخرج تمرات من
قرنه ، فجعل يأكل منهن ، ثم قال : لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه
إنها لحياة طويلة ، فرمى بما كان معه من التمر ، ثم قاتلهم حتى قتل
.
وكذلك سأله عوف بن
الحارس _ ابن عفراء _ فقال : يا رسول الله ما يضحك الرب من عبده !
قال غمسه يده في العدو حاسراً ، فنزع درعاً كانت عليه ، فقذفها ،
ثم أخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل .
وحين أصدر رسول الله
الأمر بالهجوم المضاد كانت حدة هجمات العدو قد ذهبت ، وفتر حماسه ،
فكان لهذه الخطة الحكيمة أثر كبير في تعزيز موقف المسلمين ، فإنهم
حينما تلقوا أمر الشد والهجوم _ وقد كان نشاطهم الحربي على شبابه _
قاموا بهجوم كاسح مرير ، فجعلوا يقلبون الصفوف ، ويقطعون الأعناق ،
وزادهم نشاطاً وحدة أن رأوا رسول الله
يثب في الدرع في جزم وصراحة
سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ
الدُّبُرَ
فقاتل المسلمون أشد القتال ، ونصرتهم الملائكة .
ففي رواية ابن سعد
عن عكرمة قال : كان يومئذ يندر رأس الرجل لا يدري من ضربه ، وتندر
يد الرجل لا يدري من ضربها ، وقال ابن عباس : بينما رجل من
المسلمين يشتد في إثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط
فوقه ، وصوت الفارس يقول : أقدم حيزوم فنظر إلى المشرك أمامه ،
فجاء الأنصاري فحدث بذلك رسول الله
، فقال : صدقت ذلك من مدد السماء الثالثة .
وقال أبو داود
المازني : إني لأتبع رجلاً من المشركين لأضربه إذ وقع رأسه قبل أن
يصل إليه سيفي ، فعرفت أنه قد قتله غيري .
وجاء رجل من الأنصار
للعباس بن عبد المطلب أسيراً ، فقال العباس : إن هذا والله ما
أسرني ، لقد أسرني رجل أجلح من أحسن الناس وجهاً على فرس أبلق ،
وما أراه في القوم ، فقال الأنصاري : أنا أسرته يا رسول الله ،
فقال : أسكت فقد أيدك الله بملك كريم .