ونظراً إلى هذا التطور الخطير المفاجئ عقد رسول الله
مجلساً عسكرياً استشارياً أعلى ، أشار فيه إلى الوضع الراهن ،
وتبادل فيه الرأي مع عامة جيشه ، وقادته ، وحينئذ تزعزع قلوب فريق
من الناس ، وخافوا اللقاء الدامي ، وهم الذين قال الله فيهم
كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقاً من
المؤمنين لكارهون (5) يجادلونك في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون
إلى الموت وهم ينظرون
وأما قادة الجيش ، فقام أبو بكر الصديق فقال وأحسن ، ثم قام عمر بن
الخطاب فقال وأحسن ، ثم قام المقداد بن عمرو فقال : (( يا رسول
الله ، امض لما أراك الله فنحن معك ، والله لا نقول لك كما قالت
بنو إسرائيل لموسى : اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون ، ولكن
اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون ، فو
الذي بعثك بالحق لو
سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه ))
فقال له رسول الله
خيراً ودعا له به .
وهؤلاء القادة الثلاثة كانوا من المهاجرين ، وهم
أقلية في الجيش ، فأحب رسول الله
أن يعرف رأي الأنصار ، لأنهم كانوا يمثلون أغلبية الجيش ولأن ثقل
المعركة سيدور على كواهلهم ، مع أن نصوص العقبة لم تكن تلزمهم
بالقتال خارج ديارهم ، فقال بعد سماع كلام هؤلاء القادة الثلاثة :
(( أشيروا علي أيها الناس )) وإنما يريد الأنصار ، وفطن إلى ذلك
قائد الأنصار وحامل لوائهم سعد بن معاذ ، فقال :
والله لكأنك تريدنا يا رسول الله ؟
قال : أجل
قال : (( فقد آمنا بك ، فصدقناك ، وشهدنا أن ما جئت
به هو الحق ، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة
، فامض يا رسول الله لما أردت فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا
هذا البحر فخضته لخضناه معك ، ما تخلف منا رجل واحد ، وما نكره أن
تلقى بنا عدواً غداً ، إنا لصبر في الحرب ، صدق في اللقاء ، ولعل
الله يريك منا ما تقر به عينك ، فسر بنا على بركة الله )).
وفي رواية أن سعد بن معاذ قال لرسول الله
: لعلك تخشى أن تكون الأنصار ترى حقاً عليها أن لا تنصرك إلا في
ديارهم ، وإني أقول عن الأنصار وأجيب عنهم ، فاظعن حيث شئت ، وصل
حبل من شئت ، واقطع حبل من شئت ، وخذ من أموالنا ما شئت ، وأعطنا
ما شئت ، وما أخذت منا كان أحب إلينا مما تركت ، وما أمرت فيه من
أمر فأمرنا تبع لأمرك ، فو الله لئن سرت حتى تبلغ البرك من غمدان
لنسيرن معك ، و والله لئن استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه
معـــك .
فسر رسول الله
بقول سعد ، ونشطه ذلك ، ثم قال : سيروا وأبشروا ، فإن الله تعالى
قد وعدني إحدى الطائفتين : والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم
.