|
1580- وعنْ ابنِ مسعود رضي اللَّه
عنْهُ قال : قالَ رسُولُ اللَّه : « إنًَّ الصِّدْقَ يهْدِي
إلى الْبِرِّ وَإنَّ البرِّ يهْدِي إلى الجنَّةِ ، وإنَّ الرَّجُل
ليَصْدُقُ حتَّى يُكتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدّيقاً، وإنَّ الْكَذِبَ
يَهْدِي إلى الفُجُورِ وإنَّ الفُجُورًَ يهْدِي إلى النارِ ، وإن الرجلَ
ليكذبَ حَتى يُكْتبَ عنْدَ اللَّهِ كَذَّاباً » متفقٌ عليه .
1581- وعن عبدِ اللَّهِ بنِ عَمْرو
بنِ العاص رضي اللَّه عنْهُما ، أنَّ النبي قال : «أَرْبعٌ منْ كُنَّ فِيهِ ، كان مُنافِقاً خالِصاً ،
ومنْ كَانتْ فيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ ، كَانتْ فِيهِ خَصْلةٌ مِنْ
نِفاقٍ حتَّى يَدعَهَا : إذا اؤتُمِنَ خَانَ ، وَإذا حدَّثَ كَذَبَ ،
وإذا عاهَدَ غَدَرَ ، وإذا خَاصمَ فجَرَ » متفقٌ عليه .
وقد سبقَ بيانه مع حديثِ أبي
هُرَيْرَةَ بنحوهِ في « باب الوفاءِ بالعهد
» .
1582- وعن ابن عباسٍ رضي اللَّه
عنْهُما عن النبي ، قالَ :
« مَنْ تَحَلَّمَ بِحُلْمٍ لمْ يرَهُ ،
كُلِّفَ أنْ يَعْقِدَ بيْن شَعِيرتينِ ، ولَنْ يفْعَلَ ، ومِنِ اسْتَمَع
إلى حديثِ قَوْم وهُمْ لهُ كارِهُونَ، صُبَّ في أُذُنَيْهِ الآنُكُ
يَوْمَ القِيامَةِ ، ومَنْ صوَّر صُورةً ، عُذِّبَ وَكُلِّفَ أنْ ينفُخَ
فيها الرُّوحَ وَليْس بِنافخٍ » رواه البخاري .
« تَحلَّم » أي : قالَ أنهُ حَلم في
نَوْمِهِ ورَأى كَذا وكَذا ، وهو كاذبٌ و «
الآنك » بالمدِّ وضمِّ النونِ وتخفيفِ الكاف : وهو الرَّصَاصُ
المذابُ .
1583- وعن ابنِ عُمرَ رضي اللَّه
عنْهُما قالَ : قال النبي : « أفْرَى الفِرَى أنْ يُرِيَ
الرجُلُ عيْنَيْهِ ما لَمْ تَرَيا » .
رواهُ البخاري . ومعناه :
يقولُ : رأيتُ فيما لم يره .
1584- وعن سَمُرَةَ بنِ جُنْدُبٍ
رضي اللَّه عَنْهُ قالَ : كانَ رسُولُ اللَّه
مِما يُكْثِرُ أنْ يقولَ لأصحابهِ : « هَلْ رَأَى أحدٌّ مِنكُمْ مِن رؤيا؟» فيقُصُّ عليهِ منْ شَاءَ اللَّه أنْ يقُصَّ .
وَإنَّهُ قال لنا ذات غَدَاةٍ : «
إنَّهُ أتَاني اللَّيْلَةَ آتيانِ ، وإنَّهُما قالا لي : انطَلقْ ،
وإنِّي انْطلَقْتُ معهُما ، وإنَّا أتَيْنَا عَلى رجُلٍ مُضْطَجِعٌ ،
وإِذَا آَخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بِصَخْرَةٍ ، وإِذَا هُوَ يَهْوي
بالصَّخْرَةِ لِرَأْسِهِ ، فَيثْلَغُ رَأْسهُ ، فَيَتَدَهْدهُُ الحَجَرُ
هَاهُنَا . فيتبعُ الحَجَرَ فيأْخُـذُهُ ، فلا يَرجِعُ إلَيْه حَتَّى
يَصِحَّ رَأْسُهُ كما كان ، ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ ، فَيفْعلُ بهِ
مِثْلَ ما فَعَل المَرَّةَ الأولى،» قال : قلتُ لهما : سُبْحانَ اللَّهِ
، ما هذانِ ؟ قالا لي : انْطَلِقْ انْطَلِقْ، فانْطَلَقْنا. فأَتيْنَا
عَلى رَجُل مُسْتَلْقٍ لقَفَاه وَإذا آخَرُ قائمٌ عليهِ بكَلُّوبٍ مِنْ
حَديدٍ ، وإذا هُوَ يَأْتى أحَد شِقَّيْ وَجْهِهِ فيُشَرْشِرُ شِدْقَهُ
إلى قَفاهُ ، ومنْخِرهُ إلى قَفَاهُ ، وَعينَهُ إلى قَفاهُ ، ثُمَّ
يتَحوَّل إلى الجانبِ الآخرِ فَيَفْعَل بهِ مثْلَ ما فعلًَ بالجانب
الأول ، فَما يَفْرُغُ مِنْ ذلكَ الجانب حتَّى يصِحَّ ذلكَ الجانِبُ كما
كانَ ، ثُمَّ يَعُودُ عليْهِ ، فَيَفْعَل مِثْلَ ما فَعلَ في المَرَّةِ
الأولى . قال : قلتُ: سُبْحَانَ اللَّه ، ما هذان ؟ قالا لي : انْطلِقْ
انْطَلِقْ ، فَانْطَلَقْنَا . فَأتَيْنا عَلى مِثْل التَّنُّورِ فَأَحْسِبُ أنهُ قال : فإذا فيهِ لَغَطٌ ، وأصْواتٌ
، فَاطَّلَعْنا فيهِ فَإِذَا فِيهِ رجالٌ ونِساء عُرَاةٌ ، وإذا هُمْ
يأتِيهمْ لَهَبٌ مِنْ أَسْفلِ مِنْهُمْ ، فإذا أتَاهُمْ ذلكَ اللَّهَبُ
ضَوْضَؤُوا ، قلتُ ما هؤلاءِ ؟ قالا لي : انْطَلِقْ انْطَلِقْ
،فَانْطَلقْنَا. فَأَتيْنَا على نهرٍ حسِبْتُ أَنهُ كانَ يقُولُ : «
أَحْمرُ مِثْلُ الدًَّمِ ، وإذا في النَّهْرِ رَجُلٌ سابِحٌ يَسْبحُ ،
وَإذا على شَطِّ النَّهْرِ رجُلٌ قَد جَمَعَ عِندَهُ حِجارةً كَثِيرَة ،
وإذا ذلكَ السَّابِحُ يسبح ما يَسْبَحُ، ثُمَّ يَأتيْ ذلكَ الذي قَدْ
جمَعَ عِنْدهُ الحِجارةًَ ، فَيَفْغَرُ لهَ فاهُ ، فَيُلْقِمُهُ حجراً ،
فَيَنْطَلِقُ فَيَسْبَحُ ، ثُمًَّ يَرْجِعُ إليهِ ، كُلَّمَا رجع إليْهِ
، فَغَر فاهُ لهُ ، فَألْقمهُ حَجَراً ، قلت لهما : ما هذانِ ؟ قالا لي
: انْطلِقْ انطلِق ، فانْطَلَقنا . فَأَتَيْنَا على رَجُلٍ كرِيِه
المَرْآةِ ، أوْ كأَكرَهِ ما أنت رَاءٍ رجُلاً مَرْأَى ، فإذا هو عِندَه
نارٌ يحشُّها وَيسْعى حَوْلَهَا ، قلتُ لهما : ما هذا ؟ قالا لي :
انْطَلِقْ انْطلِقْ ، فَانْطَلقنا . فَأتَينا على روْضةٍ مُعْتَمَّةٍ
فِيها مِنْ كلِّ نَوْرِ الرَّبيعِ ، وإذا بيْنَ ظهْرِي الرَّوضَةِ رَجلٌ
طويلٌ لا أكادُ أرى رأسَهُ طُولاً في السَّماءِ ، وإذا حوْلَ الرجلِ منْ أكثر ولدان ما رَأَيْتُهُمْ قطُّ ،
قُلتُ: ما هذا ؟ وما هؤلاءِ ؟ قالا لي : انطَلقْ انْطَلِقْ فَاَنْطَلقنا
. فَأتيْنَا إلى دَوْحةٍ عظِيمَة لَمْ أر دَوْحةً قطُّ أعظمَ مِنها ،
ولا أحْسنَ ، قالا لي : ارْقَ فيها، فَارتَقينا فيها ، إلى مدِينةٍ
مَبْنِيَّةٍ بِلَبِنٍ ذَهبٍ ولبنٍ فضَّةٍ ، فأتَينَا باب المَدينة
فَاسْتفتَحْنَا، فَفُتحَ لَنا، فَدَخَلناهَا ، فَتَلَقَّانَا رجالٌ
شَطْرٌ مِن خَلْقِهِم كأحْسنِ ما أنت راءٍ ، وشَطرٌ مِنهم كأَقْبحِ ما
أنتَ راءِ ، قالا لهم : اذهبوا فقَعُوا في ذلك النًّهْر ، وإذا هُوَ
نَهرٌ معتَرِضٌ يجْرِي كأن ماءَهُ المحضُ في البياض ، فذَهبُوا فوقعُوا
فيه ، ثُمَّ رجعُوا إلينا قد ذَهَب ذلكَ السُّوءُ عَنهمْ ، فَصارُوا في
أحسن صُورةٍ .قال : قالا لي : هذه جَنَّةُ عدْن ، وهذاك منزلُكَ ، فسمَا
بصَرِي صُعداً ، فإذا قصر مِثلُ الرَّبابة البيضاءِ . قالا لي : هذاك
منزِلُكَ . قلتُ لهما : بارك اللَّه فيكُما، فَذراني فأدخُلْه . قالا :
أما الآن فلا ، وأنتَ داخلُهُ . قلت لهُما : فَإنِّي رأَيتُ مُنْذُ
اللَّيلة عجباً ؟ فما هذا الذي رأيت ؟ قالا لي : إنَا سَنخبِرُك. أمَّا
الرجُلُ الأوَّلُ الذي أتَيتَ عَليه يُثلَغُ رأسُهُ بالحَجَرِ ، فإنَّهُ
الرَّجُلُ يأخُذُ القُرْآنَ فيرفُضُه ، وينامُ عن الصَّلاةِ الكتُوبةِ .
وأمَّا الذي أتَيتَ عَليْهِ يُشرْشرُ شِدْقُه إلى قَفاهُ ، ومَنْخِرُه
إلى قَفاهُ ، وعَيْنهُ إلى قفاهُ ، فإنه الرَّجُلُ يَغْدو مِنْ بَيْتِه
فَيكذبُ الكذبةَ تبلُغُ الآفاقَ . وأمَّا الرِّجالُ والنِّساءُ العُراةُ
الذين هُمْ في مِثل بِناءِ التَّنُّورِ ، فإنَّهم الزُّناةُ والزَّواني
. وأما الرجُلُ الَّذي أتَيْت عليْهِ يسْبَحُ في النَهْرِ ، ويلْقمُ
الحِجارة ، فإنَّهُ آكِلُ الرِّبا. وأمَّا الرَّجُلُ الكَريهُ المَرآةِ
الذي عندَ النَّارِ يَحُشُّها ويسْعى حَوْلَها فإنَّهُ مالِكُ خازنُ
جَهنَّمَ. وأما الرَّجُلُ الطَّويلُ الَّذي في الرَّوْضةِ ، فإنه
إبراهيم ، وأما الوِلدانُ الذينَ حوْله ، فكلُّ مُوْلود ماتَ على
الفِطْرَةِ » وفي رواية البَرْقَانِي : « وُلِد على الفِطْرَةِ » . فقال بعض المسلمينَ : يا رسول اللَّه ، وأولادُ
المشرِكينَ ؟ فقال رسولُ اللَّه : «وأولادُ المشركينَ
» . وأما القوم الذين كانوا شطر منهم حسن وشطر منهم قبيح
فإنهم قوم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً تجاوز الله عنهم . رواه البخاري .
وفي رواية له : « رأيتُ اللَّيلَةَ رجُلَين أتَياني فأخْرجاني إلى
أرْضِ مُقدَّسةِ » ثم ذكَره . وقال : «
فانطَلَقْنَا إلى نَقبٍ مثل التنُّورِ ، أعْلاهُ ضَيِّقٌ وأسْفَلُهُ
وَاسعٌ ، يَتَوَقَّدُ تَحتهُ ناراً، فإذا ارتَفَعت ارْتَفَعُوا حَتى
كادُوا أنْ يَخْرُجوا ، وإذا خَمَدت ، رَجَعوا فيها ، وفيها رجالٌ ونساء
عراةٌ . وفيها : حتى أتَينَا على نَهرٍ من دًَم ، ولم يشك فيه رجُلٌ
قائمٌ على وسط النًَّهرِ ، وعلى شطِّ النَّهر رجُلٌ ، وبيْنَ يديهِ
حجارةٌ ، فأقبل الرَّجُلُ الذي في النَّهرِ ، فَإذا أراد أنْ يخْرُجَ ،
رمَى الرَّجُلُ بِحجرٍ في فِيه ، فردَّهُ حيْثُ كانَ ، فجعلَ كُلَّمَا
جاءَ ليخْرج جَعَلَ يَرْمي في فيه بحجرٍ ، فيرْجِعُ كما كانَ .وفيهَا :
« فصعدا بي الشَّجَرةَ ، فَأدْخلاني داراً لَمْ أر قَطُّ أحْسنَ منْهَا
، فيها رجالٌ شُيُوخٌ وَشَباب » . وفِيهَا : « الَّذي رأيْتهُ يُشَقُّ
شِدْقُهُ فكَذَّابٌ ، يُحدِّثُ بالْكذبةِ فَتُحْملُ عنْهَ حتَّى
تَبْلُغَ الآفاق، فيصْنَعُ بهِ ما رأيْتَ إلى يوْم الْقِيامةِ » . وفيها
: « الَّذي رأيْتهُ يُشْدَخُ رأسُهُ فرجُلُ علَّمهُ اللَّه الْقُرآنَ ،
فنام عنهُ بِاللَّيْلِ ، ولَمْ يعْملْ فيه بِالنَّهَارِ ، فيُفْعلُ بِه
إلى يوم الْقِيامةِ » . والدَّارُ الأولى التي دخَلْتَ دارُ عامَّةِ
المُؤمنينَ ، وأمَّا هذه الدَّارُ فدَارُ الشُّهَداءِ ، وأنا جِبْريلُ ،
وهذا مِيكائيلُ ، فارْفع رأسَك ، فرفعتُ رأْسي ، فإذا فوقي مِثلُ
السَّحابِ ، قالا: ذاكَ منزلُكَ ، قلتُ : دَعاني أدْخُلْ منزلي ، قالا :
إنَّهُ بَقي لَكَ عُمُرٌ لَم تَستكمِلْهُ ، فلَوْ اسْتَكْملته ، أتيت
منْزِلَكَ » رواه البخاري .
قوله : « يَثْلَغ رَأْسهُ » وهو يالثاءِ المثلثة
والغينِ المعجمة ، أي : يشدخُهُ ويَشُقُّه . قوله: « يَتَدهْده » أي : يتدحرجُ ، و « الكَلُّوبُ » بفتح الكاف ، وضم اللام
المشددة ، وهو معروف . قوله : « فيُشَرشِرُ
» أي : يُقَطَّعُ . قوله : «
ضوْضَوؤوا » وهو بضادين معجمتين ، أي صاحوا . قوله : « فيفْغَرُ » هو بالفاءِ والغين المعجمة ،
أي : يفتحُ . قوله: « المرآةِ » هو
بفتح الميم ، أي : المنْظَر . قوله : «
يحُشُّها » هو بفتح الياء وضم الحاءِ المهملة والشين المعجمة ،
أي : يوقدها ، قوله : « روْضَةٍ مُعْتَمَّةِ
» هو بضم الميم وإسكان العين وفتح التاء وتشديد الميم ، أي :
وافيةِ النَّبات طويلَته . قَولُهُ : «
دوْحَةٌ » وهي بفتح الدال ، وإسكان الواو وبالحاءِ المهملة :
وهِي الشَّجرَةُ الْكبيرةُ ، قولُهُ : «المَحْضُ
» هو بفتح الميم وإسكان الحاءِ المهملة وبالضَّاد المعجمة :
وهُوَ اللَّبَنُ . قولُهُ : «فَسَما بصرِي »
أي : ارْتَفَعَ . « وَصُعُداً » :
بضم الصاد والعين : أيْ : مُرْتَفِعاً . «وَالرَّبابةُ
» : بفتح الراءِ وبالباءِ الموحدة مُكررة ، وهي السَّحابة .
|